لما انصرف أمير المؤمنين، عليه السلام، من وقعة الجمل، أرسل إلى معاوية، رضي الله عنه، يعرفه اجتماع الناس على بيعته، ويعلمه ما كان من وقعة الجمل، ويأمره بالدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار. وكان معاوية، رضي الله عنه، أميراً بالشأم من قبل عثمان، رضي الله عنه، و كان ابن عمه. فلما ورد إلى معاوية، رضي الله عنه، رسول أمير المؤمنين علي، عليه السلام، خاف معاوية، رضي الله عنه، من علي، عليه السلام، وعلم أنه متى استتب الأمر له عزله ولم يستعمله. وقد كان ابن عباس والمغيرة بن شعبة، رضي الله عنهما، بالشأم مدةً حتى يبايع الناس ويتمكن ثم يعزله بعد ذلك. فلم يطعهما، عليه السلام، وقال: إني إن أقررته على إمارته ولو يوماً واحداً كنت عاصياً في ذلك اليوم لله تعالى، ولم تكن الخدع والحيل من مذهب علي، عليه السلام، ولم يكن عنده غير مر الحق. فحين ورد الرسول إلى معاوية، رضي الله عنه، طاوله، ثم استشار بعمرو بن العاص، رضي الله عنه، وكان أحد الدهاة، وكان معاوية، رضي الله عنه، قد تألفه واستماله ليتقوى برأيه ودهائه، فأشار عمرو بن العاص على معاوية، رضي الله عنهم، وأن يظهر قميص الدم الذي قتل فيه عثمان بن عفان وأصابع زوجته، رضي الله عنهما، ويعلق ذلك على المنبر، ثم يجمع الناس ويبكي عليه ويلصق قتل عثمان بعلي، رضي الله عنهم. ويطالب بدمه، ليميل إليه أهل الشأم ويقاتلوا معه، فأخرج معاوية، رضي الله عنه، القميص والأصابع وعلقه على المنبر وبكى واستبكى الناس وذكرهم بمصاب عثمان ، رضي الله عنه. فانتدب أهل الشأم من كل جانب وبذلوا له الطلب بدم عثمان، رضي الله عنه، والقتال معه على كل من آوى قتلته.
ثم كتب معاوية، رضي الله عنه، إلى أمير المؤمنين، عليه السلام، كتاباً يذكر فيه ذلك. فحينئذٍ تجهز علي، عليه السلام، للقتال وكاتب الناس ليجتمعوا معه، وكذلك صنع معاوية، رضي الله عنه، ثم التقوا بصفين من أرض الشأم فجرت بينهم مناوشات وحروب كان أولها أن معاوية وأصحابه، رضي الله عنهم ، سبقوا إلى شريعة الماء فملكوها ومنعوا أصحاب أمير المؤمنين، عليه السلام، من الماء، ولم يكن هناك شريعة غيرها، فلما أخبر علي، عليه السلام، بذلك أرسل إلى معاوية ،رضي الله عنه، رسولاً يقول له: بذلك أرسل إلى معاوية ، رضي الله عنه، رسولاً يقول له: إن مذهبنا ألا نبدأكم بقتال حتى نحتج عليكم وننظر فيما جئنا له وتنظرون، وقد منع أصحابك الناس من الماء فابعث حتى يخلوا سبيل الماء، وإن شئتم أن نترك ما جئنا له وتكون مقاتلتنا على الماء فيكون الغالب هو الشارب فعلنا ذلك. فقال معاوية، رضي الله عنه، لأصحابه: ما تشيرون ؟ قال قوم من بني أمية: نرى أن تمنعهم الماء حتى يموتوا عطشاً أو يرجعوا لطلب الماء فتكون هزيمة. فقال عمرو بن العاص، رضي الله عنه: أرى أن تخلي لهم سبيل الماء فإن القوم لا يعطشون وأنت ريان. فأخر معاوية، رضي الله عنه، الجواب وقال: سأنظر. فاقتتل الناس على الماء، وأمد علي، عليه السلام، أصحابه، وأمد معاوية، رضي الله عنه، أصحابه، ونشبت الحرب والتحم القتال، فملك أصحاب علي، عليه السلام، الشريعة، فأرادوا منع أصحاب معاوية، فأرسل إليهم علي، عليه السلام، وقال: خذوا حاجتكم من الماء ولا تمنعوهم منه. ودام على ذلك مدة حتى كاد عسكر علي، عليه السلام، أن يغلبوا وظهرت إمارات الفتح، فخاف عمرو بن العاص، رضي الله عنه، من الهلاك، فأشار على معاوية، رضي الله عنه، برفع المصاحف فتر أكثر الناس عن الحرب، وجاءوا إلى أمير المؤمنين، عليه السلام، وقالوا: يا علي أجب إلى كتاب الله، عز وجل، فوالله إن لم تفعل لنحملنك كارهاً إلى معاوية، رضي الله عنه، أو لنفعلن بك كما فعلنا بابن عفان، رضي الله عنه. فقال لهم علي، عليه السلام: يا قوم إنها خدعة منهم، وإنهم ليس فيهم من يعمل بهذه المصاحف، أولستم على بينة من ربكم؟ فامضوا لشأنكم وقاتلوا عدوكم. فلم يفعلوا وغلبوه فأجاب إلى ترك القتال، ثم أرسل إلى معاوية، رضي الله عنه، رسولاً يقول له: ما الذي تريد برفع هذه المصاحف؟ قال: نحكم منا رجلاً ومنكم رجلاً ونقسم على الرجلين أن ينصحا الأمة ويعملا بما في كتاب الله، عز وجل، وما لم يجداه في كتاب الله حملاه على السنة والجماعة فأي شيء حكما به قبلناه.