ثم إن يزدجر هرب إلى خراسان، ومازال أمره يضعف حتى قتل في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة بخراسان، وهو آخر ملوك الأكاسرة.
وفي الدولة المذكورة دونت الدواوين، وفرض العطاء للمسلمين، ولم يكونوا قبل ذلك يعرفون ما الديوان.
؟شرح كيفية تدوين الدواوين
كان المسلمون هم الجند، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدنيا. وكان لا يزال فيهم دائماً من يبذل شطراً صالحاً من ماله في وجوه البر والقرب. وكانوا لا يريدون على إسلامهم ونصرهم لنبيهم، صلوات الله عليه وسلامه، جزاءً إلا من عند الله تعالى. ولم يفرض النبي، صلوات الله عليه وسلامه، ولا أبو بكر، رضي الله عنه، لهم عطاءً مقرراً. ولكن كانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيباً من الغنائم قررته الشريعة لهم. وإذا ورد إلى المدينة مال من بعض البلاد أحضر إلى مسجد الرسول، صلوات الله عليه وسلامه، وفرق فيهم على حسب ما يراه، صلى الله عليه وسلم، وجرى الأمر على ذلك مدة خلافة أبي بكر، رضي الله عنه. فلما كانت سنة خمس عشرة من الهجرة وهي خلافة عمر، رضي الله عنه، رأى أن الفتوح قد توالت، وأن كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأن الحمول من الذهب والفضة والجواهر النفيسة والثياب الفاخرة قد تتابعت، فرأى التوسيع على المسلمين وتفريق تلك الأموال فيهم ولم يكن يعرف كيف يصنع وكيف يضبط ذلك. وكان بالمدينة بعض مرازبة الفرس. فلما رأى حيرة عمر قال له: يا أمير المؤمنين إن للأكاسرة شيئاً يسمونه ديواناً، جميع دخلهم وخرجهم مضبوط فيه لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل. فتنبه عمر، رضي الله عنه، وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان. ففطن عمر لذلك ودون الدواوين وفرض العطاء، فجعل لكل واحد من المسلمين نوعاً مقرراً، وفرض لزوجات الرسول، صلوات الله عليه وسلامه، ولسراريه وأقاربه حتى استنفد الحاصل ولم يدخر في بيت المال شيئاً. قالوا: فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال شيئاً يكون عدة لحادث إن حدث. فزجره عمر وقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي. إني لا أعد للحادث الذي يحدث سوى طاعة الله ورسوله، فهي عدتنا التي بها بلغنا ما بلغناه .
ثم إن عمر رأى أن يجعل العطاء على حسب السبق إلى الإسلام وإلى نصرة الرسول، عليه الصلاة والسلام، وفي مواطن حروبه. ثم استخدم الكتاب في الدواوين وأمرهم بترتيب الطبقات وضبط العطاء. فقالوا: بمن نبدأ يا أمير المؤمنين؟ فأشار ناس من الصحابة عليه بأن يبدأ بنفسه، وقال: ابدأوا بالعباس عم رسول الله، صلوات الله عليه، وببني هاشم ثم بمن بعدهم طبقةً بعد طبقة، وضعوا آل الخطاب حيث وضعهم الله عز وجل. فاعتمد ما أشار به وجرى الأمر على ذلك مدة خلافته وخلافة عثمان، رضي الله عنهما. ثم في آخر خلافته خطر له تغيير هذا الرأي، وأن يفرض لكل واحد من المسلمين أربعة آلاف، وقال ألف يجعلها نفقةً لعياله إذا خرج إلى الحرب، وألف يتجهز بها، وألف يصحبها معه، وألف يرتفق بها. فمات عمر، رضي الله عنه، قبل إتمام هذا الرأي.
ومن وقائعها المشهورة وقعة الجمل.
وقعة الجمل
شرح مبدأ وقعة الجمل وكيفية الحال في ذلك: لما قتل عثمان بن عفان، رضي الله عنه، اجتمع الناس وقصدوا منزل أمير المؤمنين، عليه السلام، وسألوه تولي أمرهم، فأبى عليهم وقال: لا حاجة لي في أمركم . فألحوا عليه إلحاحاً شديداً واجتمعوا إليه من كل صوبٍ يسألونه ذلك حتى أجاب. فبايعه الناس فسار فيهم بسيرة الحق لا تأخذه في الله لومة لائم. وكانت حركاته وسكناته عليه السلام جميعها لله وفي الله لا يقضي بها حق أحد. وكان لا يأخذ ولا يعطي إلا بالحق والعدل، حتى إن أخاه عقيلاً وهو ابن أبيه وأمه طلب من بيت المال شيئاً لم يكن له بحق فمنعه عليه السلام وقال: يا أخي ليس لك في هذا المال غير ما أعطيتك ، ولكن اصبر حتى يجيء مالي وأعطيك منه ما تريد. فلم يرض عقيل هذا الجواب وفارقه وقصد معاوية رضي الله عنه بالشأم، وكان لا يعطي ولديه الحسن والحسين عليهما السلام أكثر من حقهما. فانظر إلى رجل حمله ورعه على هذا الصنيع بولديه وبأخيه من أبويه.