FluentPlex

Al-Fakhrī

ذكر ما آلت إليه حال يزدجرد

Original text Public domain

Read with the dictionary

حدثني فلك الدين محمد بن أيدمر قال: كنت في عسكر الدويدار الصغير لما خرج إلى لقاء التتر بالجانب الغربي من مدينة السلام، في واقعتها العظمى سنة ست وخمسين وستمائة، قال: فالتقينا بنهر بشير من أعمال دجيل، فكان الفارس منا يخرج إلى المبارزة ، وتحته فرس عربي، وعليه سلاح تام كأنه وفرسه الجبل العظيم، ثم يخرج إليه من المغول فارس تحته فرس كأنه حمار وفي يده رمح كأنه المغزل، وليس عليه كسوة ولا سلاح، فيضحك منه كل من رآه. ثم ما تم النهار حتى كانت لهم الكرة فكسرونا كسرة عظيمة كانت مفتاح الشر، ثم كان من الأمر ما كان.

ثم ترددت الرسل بين رستم وسعد، فكان البدوي يأتي إلى باب رستم وهو جالس على سرير الذهب، وقد طرحت له الوسائد المنسوجة بالذهب، وفرش له الفرش المنسوج بالذهب، وقد لبس العجم التيجان وأظهروا زينتهم وأقاموا الفيلة في حواشي المجلس. فيجيء البدوي، وفي يده رمحه ، وهو متقلد سيفه متنكب قوسه، فيربط فرسه قريباً من سرير رستم فيصيح العجم عليه ويهمون بمنعه فيمنعهم رستم ثم يستدنيه فيمشي إليه متكئاً على رمحه، يطأ به ذلك الفرش وتلك الوسائد فيخرقها بزج رمحه، وهم ينظرون، فإذا وصل إلى رستم راجعه الحديث، فكان رستم لا يزال يسمع منهم حكماً وأجوبة تروعه وتهوله.

فمن ذلك أن سعداً ، رضي الله عنه، كان يبعث في كل مرة رسولاً. فقال رستم لبعض من أرسل إليه: لم لم يبعثوا إلينا صاحبنا بالأمس؟ قال: لأن أميرنا يعدل بيننا في الشدة والرخاء. وقال يوماً لآخر: ما هذا المغزل الذي في يدك؟ يعني رمحه، فقال: إن الجمرة لا يضرها قصرها. وقال مرة أخرى لآخر: ما بال سيفك أراه رثاً؟ فقال: إنه خلق المغمد حديد المضرب. فراع رستم ما رأى من أمثال هذا وقال لأصحابه: انظروا فإن هؤلاء لا يخلو أمرهم من أن يكون صدقاً أو كذباً، فإن كانوا كاذبين، فإن قوماً يحفظون أسرارهم هذا الحفظ، ولا يختلفون في شيء، وقد تعاهدوا على كتمان سرهم هذا التعاقد، بحيث لا يظهر أحد منهم سرهم، لقوم في غاية الشدة والقوة، وإن كانوا صادقين فهؤلاء لا يقف حذاءهم أحد. فصاحوا حوله وقالوا: الله! الله! أن تترك ما أنت عليه لشيء رأيته من هؤلاء الكلاب، بل صمم على حربهم . فقال رستم: هو ما أقول لكم ولكني معكم على ما تريدون. ثم اقتتلوا أياماً كان في آخرها انعكاس الريح عليهم حتى أعماهم الغبار. فقتل رستم وانفل الجيش، وغنمت أموالهم، وأجفل الفرس يطلبون مخاضات دجلة ليقعوا في الجانب الشرقي، وتبعهم سعد وعبر المخاضات، وقتل منهم مقتلة عظيمة بجلولاء وغنم أموالهم وأسر بنتاً لكسرى. ثم كتب سعد إلى عمر، رضي الله عنهما، بالفتح، وقد كان عمر في تلك الأيام شديد التطلع إلى أمر الجيش، فكان في كل يوم يخرج إلى ظاهر المدينة راجلاً يتنسم الأخبار، لعل أحداً يصل فيخبره بما كان منهم، فوصل البشير من عند سعد بالفتح، فرآه عمر فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: فما فعل سعد والجيش؟ قال: فتح الله عليهم؛ كل ذلك والرجل سائر على ناقته وعمر يمشي في ركابه، وهو لا يعلم أنه عمر. فلما اجتمع الناس وسلموا على عمر بإمرة المؤمنين عرفه البدوي، فقال: هلا أعلمتني، رحمك الله ، أنك أمير المؤمنين؟ قال: لا بأس عليك يا أخي. ثم كتب عمر إلى سعد: قف مكانك ولا تتبعهم واقنع بهذا واتخذ للمسلمين دار هجرة ومدينة يسكنونها، ولا تجعل بيني وبينهم بحراً. فاتخذ لهم سعد الكوفة، واختط بها المسجد الجامع واختط الناس المنازل ومصرها سعد، ثم حكم في المدائن وملك الكنوز والذخائر.

ذكر طرف مستملحة وقعت حينئذ

منها أن بعض العرب ظفر بجراب فيه كافور، فأحضره إلى أصحابه فظنوه ملحاً، فطبخوا طعاماً ووضعوا فيه كافوراً فلم يروا له طعماً ولم يعلموا ما هو. فرآه رجل فعرف ما فيه فاشتراه منهم بقميصٍ خلقٍ يساوي درهمين.

ومنها أن بدوياً ظفر بحجر من الياقوت كبير يساوي مبلغاً عظيماً فلم يدر قيمته، فرآه بعض من يعرف قيمته فاشتراه منه بألف درهم، فبعد ذلك عرف البدوي قيمته ولامه أصحابه وقالوا له: هلا طلبت فيه أكثر من ذلك؟ قال: لو علمت أن وراء الألف عدداً أكثر من الألف لطلبته.

ومنها أن بعضهم كان يأخذ في يده الذهب الأحمر ويقول: من يأخذ الصفراء ويعطيني البيضاء؟ يرى أن الفضة خير من الذهب.

ذكر ما آلت إليه حال يزدجرد

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account