FluentPlex

Al-Fakhrī

واستخلاص الملك من فارس

Original text Public domain

Read with the dictionary

كان ثغر فارس من أثقل الثغور على العرب وأعظمها في نفوسهم وأكثرها هيبة، وكانوا يكرهون غزوه ويجنبون عنه استعظاماً لشأن الأكاسرة، ولما هو مشهور من تدويخهم الأمم، حتى كان آخر أيام أبي بكر، رضي الله عنه، فقام رجل من الصحابة يقال له المثنى بن حارثة، رضي الله عنه، وندب الناس إلى قتال فارس وهون عليهم الأمر، وشجعهم على ذلك، فانتدب معه جماعة وتذكر الناس ما كان رسول الله، صلوات الله عليه، يعدهم به من تملك كنوز الأكاسرة. ولم يتم في ذلك أمر في خلافة أبي بكر، حتى كانت أيام عمر ابن الخطاب، رضي الله عنهما، وكتب إليه المثنى بن حارثة يخبره باضطراب أمور الفرس وبجلوس يزدجرد بن شهريار على سرير الملك وبصغر سنه، وكان قد جلس على السرير وعمره إحدى وعشرون سنة، فقوي حينئذٍ طمع العرب في غزو الفرس، فخرج عمر، رضي الله عنه، وعسكر ظاهر المدينة، والناس لا يعملون أين يريد، وكانوا لا يتجاسرون على سؤاله عن شيء، حتى إن بعضهم سأله مرة عن وقت الرحيل فزجره ولم يعلمه، فكانوا إذا أعضل عليهم أمر، وكان لابد لهم من استعلامه منه، استعانوا عليه بعثمان بن عفان أو بعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهما، وإذا اشتد الأمر عليهم ثلثوا بالعباس، رضي الله عنه. فقال عثمان لعمر: يا أمير المؤمنين ما بلغك وما الذي تريد؟ فنادى عمر، رضي الله عنه: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إليه فأخبرهم الخبر، ووعظهم وندبهم إلى غزو الفرس وهون عليهم الأمر، فأجابوا جميعاً بالطاعة ثم سألوه أن يسير معهم بنفسه فقال: أفعل ذلك إلا أن يجيء رأي هو خير من هذا. ثم بعث إلى أصحاب الرأي وأعيان الصحابة وعقلائهم فأحضرهم واستشارهم فأشاروا عليه بأن يقيم ويبعث رجلاً من كبار الصحابة ويكون هو من ورائه يمده بالأمداد، فإن كان فتح فهو المطلوب، وإن هلك الرجل أرسل رجلاً آخر.

فلما انعقد إجماعهم على هذا الرأي صعد عمر المنبر، وكانوا إذا أرادو يكلمون الناس كلاماً عاماً صعد أحدهم المنبر، وخاطب الناس بما يريد، فلما صعد عمر قال: ً أيها الناس إني كنت عازماً الخروج معكم، وإن ذوي اللب والرأي منكم قد صرفوني عن هذا الرأي وأشاروا بأن أقيم وأبعث رجلاً من الصحابة يتولى أمر الحربً ؛ ثم استشارهم فيمن يبعث. وفي تلك الحال وصل إليه كتاب من سعد بن أبي وقاص، وكان غائباً في بعض الأعمال، فأشاروا على عمر بسعد، رضي الله عنهما ، وقالوا إنه الأسد عادياً، ووافق ذلك حسن رأي من عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في سعد بن أبي وقاص، ووافق ذلك حسن رأي من عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في سعد بن أبي وقاص، فاستحضره وولاه حرب العراق وسلم الجيش إليه. فسار سعد بالناس وسار عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، معهم فراسخ، ثم وعظهم وحثهم على الجهاد وودعهم وانصرف إلى المدينة، وتوجه سعد، فجعل ينتقل في البرية التي بين الحجاز والكوفة ويستعلم الأخبار، ورسل عمر تأتيه، وكتبه يشير عليه فيها بالرأي بعد الرأي، ويمده بالجنود بعد الجنود حتى استقر رأيه على قصد القادسية، وهي كانت باب مملكة الفرس. فلما نزل سعد بالقادسية احتاج هو ومن معه إلى الأقوات فبعث ناساً وأمرهم بتحصيل شيءٍ من الغنم والبقر، وقد أجفل أهل السواد قدامهم، فوجدوا رجلاً فسألوه عن الغنم والبقر فقال: لا علم لي بذلك، وإذا هو الراعي، وقد أدخل الدواب في أجمة هناك، قالوا فصاح ثور منها: كذب الراعي، ها نحن في هذه الأجمة. فدخلوا إليها واستاقوا منها عدة وأحضروها إلى سعد، فاستبشروا بذلك وعدوها نصرة من الله تعالى. والثور إن لم يكن قد تلفظ بحروف يكذب بها الراعي فإن صياحه في تلك الساعة حتى يستدل بصياحه على الدواب عند شدة الحاجة إليها تكذيب صريح للراعي، وهو من الاتفاقات العظيمة الدالة على النصر والدولة، والاستبشار به واجب. وحين ورد الخبر إلى العجم بوصول سعد بالجيش ندبوا له رستم في ثلاثين ألف مقاتل وكان جيش العرب من سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف. ثم اجتمع إليهم بعد ذلك ناس، فالتقوا فكان العجم يضحكون من نبل العرب ويشبهونها بالمغازل.

وهاهنا موضع حكاية تناسب ذلك لا بأس بإيرادها:

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account