FluentPlex

Al-Fakhrī

أي ملك أفضل

Original text Public domain

Read with the dictionary

ومن الأمور التي يجب تدقيق الفكر فيها، والتثبت التام والتأني في تأملها، حديث السعايات والنمائم، فكم من نمامٍ أو ساعٍِ قد شفى غيظه بإيقاع مسكينٍ بين يدي ملك قاهرٍ في تهمة هو بريء منها، ثم اشتبه الأمر على الحاكم فاهلك الرجل البريء بغير ذنب، ثم لما علم بصورة الحال ندم حين لا ينفع الندم فعم الضرر بذلك الثلاثة: الساعي والمسعي إليه لأنهما أهلكا دينهما بما فعلاه، والمسعي به لتعجله العقوبة، فعم الضرر الثلاثة، ومما جاء في ذلك التنزيل: ً يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمينً؛ ومما جاء في الحديث: ً من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفعن إلينا عورة أخيه المسلمً رفع إنسان إلى يحيى بن خالد بن برمك قصةً يقول فيها: إنه قد مات رجل تاجر غريب، وقد خلف جاريةً حسناء وولداً رضيعاً ومالاً كثيراً، والوزير أحق بهذا، فكتب يحيى بن خالد على رأس القصة: أما الرجل فرحمه الله، وأما الجارية فصانها الله، وأما الطفل فرعاه الله، وأما المال فثمره الله، وأما الساعي إلينا بذلك فلعنه الله.

قيل: لما تولى عبد العزيز بن مروان دمشق ولم يكن في بني أمية ألب منه، وكان حديث السن، طمع فيه أهل دمشق، وقالوا: صبي لا علم له بالأمور وسيسمع كل ما نقول له، فقام إليه رجل وقال: أصلح الله الأمير نصيحة، فقال: ليت شعري ما هذه النصيحة التي قد ابتدأتني بها من غير يدٍ سبقت مني إليك؟ هاتٍ نصيحتك، قال: لي جار وهو عاصٍ خالع للطاعة، وذكر له عيوباً، فقال له عبد العزيز: إنك أيها الرجل ما اتقيت الله تعالى ولا أكرمت أميرك ولا حفظت جوارك، إن شئت نظرنا فيما تقول، فإن كنت صادقاً لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك. فقال : بل أقلني أيها الأمير. قال : اذهب حيث شئت لا صحبك الله، إني أراك شر رجلٍ.

كان الوزير علي بن محمد بن الفرات وزير المقتدر يبغض السعاة، فكان إذا رفع أحد إليه قصةً فيها سعاية بأحدٍ يخرج حاجبه إلى الباب، والناس على طبقاتهم وقوف، فيقول: أين صاحب هذه السعاية ؟ قد قال لك الوزير كذا وكذا، فيفتضح ذلك الرجل في ذلك الجمع، فترك الناس السعايات في أيامه.

قال عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه: من عرف فاحشةً فأفشاها كان هو الذي أتاها.

كتب قباذ الملك لابنه كسرى عهداً، فمن جملته: يا بني لا تدخل في مشورتك بخيلاً فإنه يقصر بك عن غاية الفضل، ولا جباناً فإنه يضيق عليك الأمور عند انتهاز الفرصة، يا بني ليكن أبغض رعيتك إليك أكثرهم تكشيفاً لمعايب الناس، فإن في الناس عيوباً أنت أحق من سترها وكره ما تكشف من غائبها ، فإنما إليك الحكم على ما ظهر والله يحكم فيما غاب، فاكره للرعية ما تكره لنفسك، واستر العورة يستر الله عليك ما تحب ستره، ولا تعجل إلى تصديق ساعٍ فإن الساعي غاش وإن قال قول النصيح، وأعط الناس من عفوك مثل ما تحب أن يعطيك من فوقك.

ومن مليح ما قيل في ذلك قول مهيار يخاطب بعض الوزراء :

يا سيف نصري والمهند تابعي ... وربيع دهري والزمان مصاف

ومعيد أيامي على بدائنا ... سمناً وهن على الأنام عجاف

أخلاقك الغر السجايا مالها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف

والإفك في مرآه رأيك ماله ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف

ومن مليح ذلك قول القائل:

سعى إليك بي الواشي فلم ترني ... أهلاً لتكذيب ما ألقى من الخبر

ولو سعى بك عندي في ألذ كرى ... طيف الخيال لبعت النوم بالسهر

أي ملك أفضل؟

اختلفوا في الملك القاهر العسوف والملك المقتصد الضعيف، ففضلوا القاهر العسوف، واحتجوا بأن القوي العسوف يكف الأطماع عن رعيته ويحميهم من غيره بقوته، وله أنفة تعصمهم من شر غيره، فتكون رعيته بمثابة من كفي شر جميع الناس وابتلي بشر واحد. وأما المقتصد الضعيف فيهمل رعيته فيتسلط عليهم كل أحد، ويدوسهم كل حافرٍ، فيكونون بمثابة من كفي شر واحد وابتلي بشر جميع الناس، وبين الحالين بون بعيد.

وقال بعض الحكماء: سلطان يخافه الرعية خير من سلطان يخافها. قال أنوشروان: عندي لمن عرض دمه سفكه، ولمن جاوز حده تقويمه، ولمن تعدى طوره قمعه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account