قال بعض الحكماء: أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا بالتفرد الاستبداد ، ولا يصلح الآخر إلا بالاشتراك، فأما الذي لا يصلح إلا بالانفراد فالملك متى وقع فيه الاشتراك فسد ، وأما الذي لا يصلح إلا بالاشتراك فالرأي متى وقع فيه الاشتراك وثق فيه بالصواب.
ولا يجوز للملك أن يصغر في نفسه أمر عدوه وإن كان صغيراً في نفس الأمر، ولا يجوز لجلساء الملك أن يصغروا أمر عدوه عنده، فإنهم إن صغروه حتى ظفر به العدو كان وهناً له إذ قد غلبه عدو صغير، وإن ظفر هو بالعدو لم يكن قد صنع طائلاً. لما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من وقعة بدر ومعه الأسرى والغنائم، وقد قتل الله رؤوس المشركين، تلقاه الناس من ظاهر المدينة عن أميال فجعلوا يهنئونه بالفتح، وجعل الناس يسأل بعضهم بعضاً عمن هلك وسلم، فقال بعض الصحابة: والله ما قتلنا إلا عجائز صلعاً، فأقبل عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، باللوم ولم يزل كالمعرض عنه، ثم قال له: أولئك يا ابن أخي الملا.
لا تحقرن الأعداء
ومن مليح ما رأيت في هذا المعنى قول حكيم الهند لبعض ملوكهم : لا تحقرن أمر الأعداء وإن صغروا فإن الزئبر إذا جمع جعل منه حبل يشد به الفيل المغتلم. وإغباب الرأي من الأمور المهمة، وأجود الرأي ما وقع فيه التأني والتثبت، وبذلك يؤمن زلل الرأي. قال الأحنف بن قيس لأصحاب علي، عليه السلام: أغبوا الرأي فإن إغبابه يكشف لكم عن محضه.
الرأي الفطير
واستشير بعض العقلاء في أمر فسكت، فقيل له: لم لا تتكلم؟ فقال : ما أحب الخبز إلا بائتاً، ولما عزم الخوارج على مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي أرادوه للرأي ، فقال: ما أنا والرأي الفطير والكلام المقتضب، فلما فرغوا من البيعة قال: اتركوا الرأي يغب، أي يأتي عليه يوم وليلة، وكان يستعيذ بالله من الرأي الفطير. قالوا: مر الحارث بن زيد بالأحنف بن قيس ، فقال له: لولا أنك عجلان لشاورتك، وهذا دليل على كراهيتهم للرأي الفطير. وكانوا لا يشاورون الجائع حتى يشبع، ولا الأسير حتى يطلق، ولا الطالب حتى يبلغ حاجته، ولا العطشان حتى يروى، ولا الضال حتى يهتدي، و لا الحاقن حتى يخفف ما عنده؛ وقال بعض الشعراء يصف عاقلاً:
عليم بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمرٍ عواقبه
وما أعرف أحسن من قول ابن الرومي في تفضيل الرأي المختمر على الرأي الفطير:
نار الروية نار جد منضجةٍ ... وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريح
ومما يوجبه العقل الصحيح أن الإنسان لا يدخل في أمرٍ يعسر الخروج منه؛ قال الشاعر:
ما من الحزم أن تقارب أمراً ... تطلب البعد منه بعد قليل
فإذا ما هممت بالشيء فانظر ... كيف منه الخروج بعد الدخول
قالوا: وأفضل من ذلك أن الإنسان لا يدخل نفسه في أمر يحتاج في الخروج منه إلى فكر. قال معاوية لعمرو بن العاص، رضي الله عنهما: ما بلغ من دهائك ؟ قال: ما دخلت في أمر إلا وأحسنت الخروج منه، فقال معاوية: لكني أنا ما دخلت في أمر أحتاج في الخروج منه إلى فكرٍ.
الرسول مرآة المرسل
ومن الأمور المهمة للملك حسن نظره في إرسال الرسل، فبالرسول يستدل على حال المرسل. قال بعض الحكماء: إذا غاب عنكم حال الرجل ولم تعلموا مقدار عقله فانظروا إلى كتابه ورسوله، فهما شاهدان لا يكذبان. ويجب أن يكون في الرسول خصال منها العقل ليميز به الأمر المستقيم من المعوج. والأمانة والعفاف لئلا يخون مرسله، فكم من رسولٍ برقت له بارقة طمعٍ من جهة من أرسل إليه فحفظ جانبه وترك جانب مرسله. أرسل معاوية .