FluentPlex

Al-Fakhrī

السعايات والنمائم

Original text Public domain

Read with the dictionary

كان للناصر ولدان هما ولدا ولده، وكان قد أقطعهما بلاد خوزستان وتوجها إليها وأقاما بها، ففي بعض الليالي أفكر الناصر في أمرهما واشتاقهما وخاف عليهما من حادثٍ يحدث بتلك الناحية، فأرسل في الحال إلى وزيره القمي وقال له: أرسل في هذه الساعة إليهما من يأمرهما بالوصول إلى بغداد ولا تشعر بهذا مخلوقاً. فأحضر الوزير نجاباً في ذلك الحال، وكان جماعة من النجابين يبيتون في كل ليلة بباب الديوان، يبيت أحدهم وتحت رأسه راحلته وزاده ونفقته وقد ودع أهله، فإن عرض في الليل مهم توجه فيه، فلما حضر النجاب بين يدي الوزير شافهه بالمراسلة، وقال له: تخرج في هذه الساعة وإياك أن يعلم هذا أحد فيكون عوضه نفسك. ثم تقدم الوزير يحمل مفتاح باب من أبواب السور له، فلما مضى ليخرج اجتاز ببعض الدروب، وامرأتان في منظرتين متقابلتين تتحدثان، فقالت إحداهما للأخرى: ترى هذا النجاب إلى أين يمشي في هذا الوقت؟ فقالت لها الأخرى: يمشي إلى دستر لإحضار ولدي الخليفة، فإنه قد خاف عليهما وقد اشتاقهما لأن مدتهما هناك قد طالت. فلما سمع النجاب ذلك رجع من ساعته إلى الديوان واستأذن على الوزير، فلما علم الوزير برجوعه انزعج لذلك وأحضره وسأله عن سبب عوده، فقال له: يا مولانا جرى الساعة في الدرب الفلاني كيت وكيت، وخفت أن أتوجه وينتشر هذا الحديث فما تشكون في أنني أنا الذي أظهرته، فيكون ذلك سبب هلاكي. فقال له الوزير: قد عرفنا ذلك، اخرج وتوجه في أمان الله فإن الشياطين تنقل عظائم الأخبار.

ومما يجري هذا المجرى ما حدثني به بعض أهل بغداد، قال: حدثني صديق لي قال: كنا نتمشى في دولاب بستان البقل، وقد أمعنا في الدخول إلى أقصاه، فسمعنا صوت قائلٍ يقول: مات أباقا، قال: فنظرنا فلم نبصر أحداً، ثم إننا أرخنا اليوم، فلما فشا الخبر كان كما قال .

موضع السر

قيل: إن صاحب الموصل وأظنه بدر الدين قال لمجد الدين بن الأثير الجزري: أريد أن تعين لي في هذه الساعة على رجل دين أمين يكون موضعاً للسر، حتى أحمله مشافهةً سريةً إلى الخليفة ويتوجه في هذه الساعة، فأفكر ابن الأثير ساعةً ثم قال: يا مولانا ما أعرف أحداً بهذه الصفة إلا أخي. قال: فقم وعرفه ذلك. وأرسله إلى داره. وحكى لأخيه ما جرى عند السلطان، وقال له: يا أخي والله ما شهدت لك إلا بما أعرفه منك، فتوجه إلى خدمة السلطان وامتثل ما يشير به. فحضر ابن الأثير عند السلطان وشافهه بالمراسلة، وقال له: تتوجه في هذه الساعة . فحضر ابن الأثير إلى داره ليودع أخاه فوجده قائماً في الدهليز ينتظره، فقال له: شافهك السلطان بالحديث؟ قال: نعم، قال: فما هو؟ قال : يا أخي الساعة شهدت لي عنده بالدين والأمانة. وحفظ السر فيجوز أن أكذبك في الحال؟ قال لي شيئاً ما أقوله إلا لمن أمرني أن أقوله له. قال: فبكى مجد الدين أخوه ودعا له.

ومن الأشعار المقولة في ذلك قول الحماسي:

وفتيان صدقٍ لست مطلع بعضهم ... على سر بعضٍ غير أني جماعها

لكل امرىءٍ شعب من القلب فارغ ... وموضع نجوى لا يرام اطلاعها

يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرةٍ أعيا الرجال انصداعها

ومن جيد ما قيل في ذلك:

لا تسألي القوم ما مالي وكثرته ... وسائلي القوم ما مجدي وما خلقي

هل أطعن الطعنة النجلاء عن عرضٍ ... وأكتم السر فيه ضربة العنق

ومن جيده قول الصابىء:

فقل لصديقي: كن على السر آمناً ... إذا لم يكن بيني وبينك ثالث

وقول الآخر:

وإنك كلما استودعت سراً ... أنم من النسيم على الرياض

ولمؤلف هذا الكتاب في ذلك من جملة أبيات :

وما احتفر الأصحاب للسر حفرةً ... كصدري ولو جار الشراب على عقلي

وله في ذلك أيضاً :

وإن يكن الزجاج ينم طبعاً ... فسيدنا أنم من الزجاج

السعايات والنمائم

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account