قيل لبعض فضلاء الملوك: نراك إذا وفد عليك وافد أطلت مجالسته، وربما لا يكون أهلاً لذلك، قال: إن حقيقة حال الرجل لا تبين في مجلس أو مجلسين، فأنا أطاول عشرته وأختبره في عدة مجالس، فإن كان فاضلاً اصطفيته، وإن كان ناقصاً تركته. وقال آخر: لا ينبغي لأحد أن يدع الحزم لظفر ناله عاجز، ولا يرغب في تضييعه لنكبةٍ دخلت على حازم. قالوا: من لم يقدمه الحزم أخره العجز. وقيل لعبد الملك بن مروان: ما الحزم؟ قال: اختداع الناس بالمال واستمالتهم به، فإنهم أتباعه أين كان كانوا وكيف مال مالوا. وقال بعض الملوك لبعض الحكماء: متى تكون الثقة بالعدو حزماً؟ قال: إذا شاورته في أمر هو لك وله. وقال مسلمة بن عبد الملك: ما فرحت بظفرٍ ابتدأته بعجزٍ، ولا ندمت على مكروه ابتدأته بحزم.
ما يجب على الملك الفاضل
ومما يجب على الملك الفاضل إمعان النظر في أمر الأسرار وصونها وتحصينها وحراستها من الإفشاء والذياع، وهذا باب يحتاج فيه إلى التأني التام، فكم من مملكة خربت، وكم من نفس تلفت بسبب ظهور سر واحد. وحفظ السر وكتمانه من أفضل ما اعتنى به الإنسان. فمما جاء في ذلك في الحديث: ً من كتم سره ملك أمرهً ، وقال علي، عليه السلام: الرأي تحصين السر.
أسر بعض الناس إلى رجل حديثاً وأمره بكتمانه، فلما انقضى الحديث قال له: فهمت؟ قال: بل نسيت ، وقال عمرو بن العاص : إذا أفشيت سري إلى صديقي فأذاعه كان اللوم لي لا له. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأني أنا كنت أولى بصيانته منه؛ ومن أناشيد هذا الباب :
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
قالوا: لا ينبغي أن يكون سر الملك إلا عند واحد، فإنه إذا كان عند واحد كان أحرى ألا يظهر إما رغبةً وإما رهبةً، لأنه إن ظهر تحقق الملك أن ظهوره قد كان من جهة ذلك الرجل، ومتى كان السر عند جماعة ثم ظهر أحال كل واحد منهم على الآخر، فإن عاقبهم الملك جميعاً كان قد ظلمهم إلا واحداً، وإن ترك معاقبتهم طمعوا وتطرقوا على إفشاء أسراره؛ قال الشاعر:
وسرك ما كان عند امرىءٍ ... وسر الثلاثة غير الخفي
فإن احتاج الملك إلى أظهار سره لجماعة فأصلح ماله أن يفضي به إلى كل واحدٍ منهم على سبيل الانفراد، ويوصيه بالكتمان ويوهمه أنه ما أفضى إلى غيره به، فذلك أجدر لأن ينكتم السر. شاور بعض ملوك الفرس وزراءه في أمرٍ، فقال واحد منهم: لا ينبغي للملك أن يستشير بأحدنا إلا خالياً به، فإنه أكتم للسر وأحزم في الرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض.
وما اعتنت دولة بتحصين الأسرار والمبالغة في حفظها كالدولة العباسية ، فإن لها من هذا الباب عجائب، وكم من نعمةٍ أزالوها عن أربابها، ونفس أزهقوها بسبب كلمةٍ منقولة أو حكاية مقولة.
قضية ظريفة
جرى في أيام الناصر قضية ظريفة لا بأس بذكرها هاهنا: