ومن طريف ما سمعت من أمر الصيد ما حدثني به رجل من أهل الأدب ببغداد قال: حدثني محمد بن صالح البازياري قال: تصيدنا بين يدي السلطان أباقا يوماً، فطار ونحن بين يديه ثلاثة كراكي على سمت مستقيم، فأطلقنا شاهيناً فعلا وانحط على الأعلى من الكراكي فلطمه فوقع على الثاني فكسره ثم وقعا كلاهما على الثالث فكسراه ووقعت الثلاثة بين يدي السلطان، قال: فتعجب من ذلك غاية التعجب وخلع علينا جميعنا. وقال الصاحب علاء الدين في جهان كشاي: إن حلقة جنكزخان كان أمدها مسير ثلاثة شهور وما أرى هذا إلا مستبعداً، وما لهج الملوك بالصيد هذا اللهج الشديد، ولا كلفوا به هذا الكلف العظيم وأطلقوا للبازيارية الأموال الجليلة، وأقطعوهم الاقطاعات السنية، وسهلوا عليهم حجابهم وقطعوا معظم زمانهم فيه باطلاً ولا عبثاً، فإن القنص يشتمل على فوائد كثيرة جليلة النفع، منها، وهو الغرض الأشرف منه، تمرين العساكر على الركض والكر والعطف، وتعويدهم الفروسية، وإدمانهم للرمي بالنشاب والضرب بالسيف والدبوس، واعتياد القتل والسفك وتقليل المبالاة بإراقة الدماء وغصب النفوس، ومنها اختبار الخيول ومعرفة سبقها وصبرها على دوام الركض، ومنها أن حركة الصيد حركة رياضية تعين على الهضم وتحفظ صحة المزاج، ومنها فضل لحم الصيد على باقي اللحوم لأنه بقلقه من الجوارح تثور حرارته الغريزية فتزيد من حرارة الإنسان، قال بعض الحكماء: وخير اللحم ما أقلقه الجارح إقلاقاً، ومنها الطرف العجيبة التي تتفق فيه، وقد تقدم ذكر شيءٍ منها .
لهو يزيد بن معاوية
وكان يزيد بن معاوية أشد الناس كلفاً بالصيد لا يزال لاهياً به، وكان يلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبداً يخدمه، قيل: إن عبيد الله بن زياد أخذ من بعض أهل الكوفة أربعمائة ألف دينار جناية وجعلها في خزن بيت المال، فرحل ذلك الرجل من الكوفة وقصد دمشق ليشكو حاله إلى يزيد، وكانت دمشق في تلك الأيام فيها سرير الملك، فلما وصل الرجل إلى ظاهر دمشق سأل عن يزيد فعرفوه أنه في الصيد، فكره أن يدخل دمشق وليس يزيد حاضراً فيها، فضرب مخيمه ظاهر المدينة وأقام به ينتظر عود يزيد من الصيد، فبينا هو في بعض الأيام جالس في خيمته لم يشعر إلا بكلبة قد دخلت عليه الخيمة، وفي قوائمها الأساور الذهب، وعليها جل يساوي مبلغاً كثيراً، وقد بلغ منها العطش والتعب وقد كادت تموت تعباً وعطشاً، فعلم أنها ليزيد وأنها قد شذت منه، فقام إليها وقدم لها ماءً وتعهدها بنفسه، فما شعر إلا بشاب حسن الصورة على فرس جميل وعليه زي الملوك، وقد علته غبرة، فقام إليه وسلم عليه، فقال له: أرأيت كلبة عابرة بهذا الموضع؟ فقال: نعم يا مولانا هاهي في الخيمة قد شربت ماءً واستراحت، فجذب بحبلها ليخرج فشكا الرجل إليه حاله، وعرفه ما أخذ منه عبيدة الله بن زياد، فطلب دواةً وكتب له برد ماله وخلعة سنية، وأخذ الكلبة وخرج، فرد الرجل من ساعته إلى الكوفة ولم يدخل دمشق .
السلطان مسعود يسور الكلاب
وكان السلطان مسعود يبالغ أيضاً في ذلك ويلبس الكلاب الجلال الأطلس الموشاة ويسورها بالأساور، وكان يقلل في بعض الوقت الالتفات إلى أمين الدولة ابن التلميذ الطبيب النصراني، وكان فاضلاً ظريفاً، فقال:
من كان يلبس كلبه ... وشياً ويقنع لي بجلدي
فالكلب خير عنده ... مني وخير منه عندي
إنسان في حلقة صيد
وحدثني الأمير فخر الدين بغدي بن قشتمر قال: ضرب جدي الملك قشتمر حلقةً للصيد، فوقع فيها إنسان قصير جداً كصغير يكون عمره خمس سنين، وقد طالت أظفاره وشعر بدنه طولاً مفرطاً، قال: فأمسكوه وأحضروه بين يدي الناصر، فاستنطقوه فلم ينطق، فأحضروا له الطعام فلم يأكل، والماء فلم يشرب، فاجتهدوا معه بكل ممكن على أن يتكلم وهو صامت لا ينطق ببنت شفة، فقال له بعض الحاضرين: فأي شيء تريد ؟ فلم يتكلم. فقال له: تريد نطلقك؟ فحرك رأسه يعني نعم، قال: فتقدم الناصر بإطلاقه فلما أطلق عدا أشد من عدو الغزال ثم دخل البرية.
كسرى ورعيته