وجرت في تلك الأيام حروب وفتن، ونهبت دار الخلافة وأخذ ما كان بها، ثم إن توزون كتب إلى المتقي يستميله وحلف له أيماناً غليظة أن لا يناله مكروه من جهته، فاغتر المتقي بذلك وانحدر من الموصل إلى بغداد ووصل إلى السندية من نهر عيسى، فخرج توزون إلى تلقيه والناس كافة. فلما رآه توزون قبل الأرض، وكان قد أوصى جماعةً من أصحابه سراً أن يحتاطوا به، فاحتاطوا به وأدخلوه إلى خيمته، ثم قبض عليه وسمل عينيه وخلعه وبايع المستكفي. ومات المتقي في سنة خمسين وثلثمائة.
شرح حال الوزارة في أيامه: أقر سليمان بن الحسن بن مخلد على وزارته أربعة أشهر، ثم استوزر أبا الخير أحمد بن محمد بن ميمون، ولم يكن له سوى الاسم من الوزارة، ولم يكن له سيرة تؤثر، ثم جرت أمور أدت إلى القبض عليه وإلى عزله.
وزارة أبي عبد الله البريدي: قد سبق حال تغلبه وقوة نفسه وجمعه للعساكر، ثم إنه في أيام المتقي وصل إلى بغداد ومعه جموع كثيرة، فأظهر المتقي السرور به ثم استوزره وهو كاره لذلك، وجرت بينه وبين المتقي مراسلات أدت إلى أنه أرهبه وأفزعه، فحمل إليه خمسمائة ألف دينار، ووقعت حروب بين البريدي وأمراء العسكر، فنهبوا داره وانهزم إلى واسط، فكان وقوع اسم الوزارة عليه دون شهر.
وزارة أبي اسحق محمد بن إبراهيم الإسكافي المعروف بالقراريطي: لم تطل أيامه فلبث في الوزارة حدود أربعين يوماً، وكان سبب وزارته أنه حضر يوماً مجلس أمير الأمراء وهو يصادر قوماً من الكتاب ويعسفهم وهم يلطون عليه، فخلا القراريطي ببعض أصحاب أمير الأمراء وقال له: إن استوزرني الأمير نهضت له بأضعاف هذا وجمعت له الأموال، وما أحوجه إلى هذا الصداع. فاستوزره توزون بعد يومين، ثم بعد أيام قبض عليه واستوزره الكرخي، فلم تطل أيامه أيضاً، ولبث فيها نحو خمسين يوماً.
وزارة البريدي مرة ثانية: استوزره المتقي وكاتبه بالإصعاد إلى بغداد، فأصعد من واسط فاستوزر، ومكث في الوزارة دون شهر ولم يستتب له أمر، وجرت بينه وبين المتقي حروب، وكانت تلك الأيام أيام فتنٍ. ولما تولى أبو عبد الله البريدي الوزارة هجاه أبو الفرج الأصفهاني مصنف كتاب الأغاني بقصيدة طويلة أولها:
يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي ... قد تولى الوزارة ابن البريدي
منها :
يا لقومي لحر صدري وعولي ... وغليلي وقلبي المعمود
حين سار الخميس يوم خميسٍ ... بالبريدي في ثيابٍ سود
قد حباه بها الإمام اصطفاءً ... واعتماداً منه لغير عميد
خلع تخلع العلى ولواء ... عقده حل عقدة المعقود
وزارة أبي العباس أحمد بن عبيد الله الأصفهاني : مكث في الوزارة حدود خمسين يوماً، ولم يكن له علم ولا نظر في الأمور وضعف أمر الوزارة والوزراء في تلك الأيام ضعفاً كثيراً.
وزارة أبي الحسين علي بن أبي محمد بن مقلة: استورزه المتقي ولم تطل أيامه، وخلع المتقي وهو وزيره.
انقضت أيام المتقي ووزرائه ثم ملك بعده أبو القاسم عبد الله المستكفي بن المكتفي بن المعتضد .
خلافة المستكفي