فقتله جذيمة وطرد الزباء إلى الشام فلحقت بالروم وكانت عربية اللسان حسنة البيان شديدة السلطان كبيرة الهمة قال ابن الكلبي لم يكن في نساء عصرها أجمل منها وكان اسمها فارغة وكان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها وإذا نشرته جللها فسميت الزباء قال الكلبي وبعث عيسى بن مريم عليه السلام بعد قتل أبيها فبلغت بها همتها أن جمعت الرجال وبذلت الأموال وعادت إلى ديار أبيها وملكتها فأزالت جذيمة الأبرش عنها وابتنت على الفرات مدينتين متقابلتين من شرقي الفرات ومن غربيه وجعلت بينهما نفقاً تحت الفرات وكان إذا راهقها الأعداء آوت إليه وتحصنت به وكانت قد اعتزلت الرجال فهي عذراء وكان بينها وبين جذيمة بعد الحرب مهادنة فحدث جذيمة نفسه بخطبتها فجمع خاصته فشاورهم في ذلك وكان له عبد يقال له قصير بن سعد وكان عاقلاً لبيباً وكان خازنه وصاحب أمره وعميد دولته فسكت القوم وتكلم قصير فقال أبيت اللعن أيها الملك أن الزباء امرأة قد حرمت الرجال فهي عذراء لا ترغب في مال ولا جمال ولها عندك ثار والدم لا ينام وإنما هي تاركتك رهبة وحذار دولة، الحقد دفين في سويداء القلب له كمون ككمون النار في الحجران اقتدحته أورى وإن تركته توارى وللملك في بنات الملوك الأكفاء متسع ولهن فيه منتفع وقد رفع الله قدرك عن الطمع فيمن دونك وعظم شأنك فما أحد فوقك فقال جذيمة يا قصير الرأي ما رأيت والحزم فيما قلته ولكن النفس تواقة إلى ما تحب وتهوى ولكا امرئ قدر لا مر له منه ولا وزر فوجه إليها خاطباً وقال ائت الزباء فاذكر لها ما يرغبها فيه وتصبو إليه فجاءتها خطبته فلما سمعت كلامه وعرفت مراده قالت له انعم بك عيناً وبما جئت به وله وأظهرت له السرور به والرغبة فيه وأكرمت مقدمة ورفعت موضعه، وقالت قد كنت أضربت عن هذا الأمر خوفاً أن لا أجد كفؤاً والملك فوق قدري وأنا دون قدره وقد أجبت إلى ما سأل ورغبت فيما قال، ولولا أن السعي في مثل هذا الأمر بالرجال أجمل لسرت إليه ونزلت عليه وأهدت إليه هدية سنية ساقت العبيد والإماء والكراع والسلاح والأموال والإبل والغنم وحملت من الثياب والعين والورق فلما رجع إليه خطيبه أعجبه ما سمع من الجواب وأبهجه ما رأى من اللطف وظن أن ذلك لحصول رغبة فأعجبته نفسه وسار من فوره فيمن يثق به من خاصته وأهل مملكته وفيهم قصير خازنه واستحلف على مملكته ابن أخته عمرو بن عدي اللخمي وهو أول ملوك الحيرة من لخم وكان ملكه عشرين ومائة سنة وهو الذي اختطفته الجن وهو صبي وردته وقد شب ونبر فقالت أمه ألبسوه الطوق فقال خاله جذيمة شب عمرو عن الطوق فصارت مثلاً فاستخلفه وسار إلى الزباء فلما صار ببقة نزل وتصيد وأكل وشرب واستعاد المشورة والرأي من أصحابه فسكت القوم وافتتح الكلام قصير بن سعد قال أيها الملك كل عزم لا يؤيد بحزم قال لي أف ما يكون كونه فلا تثق بزخرف قول لا حصول له. ولا تعتقد الرأي بالهوى فيفسد ولا الحزم بالمنى فيبعد والرأي عندي للملك أن يعتقب أمره بالتثبت ويأخذ حذره بالتيقظ ولولا أن الأمور تجري بالمقدور لعزمت على الملك عزماً بتا أن لا يفعل فأقبل جذيمة على الجماعة فقال ما عندكم أنتم في هذا الأمر، فتكلموا بحسب ما عرفوا من رغبته في ذلك وصوبوا رأيه وقووا عزمه. فقال جذيمة الرأي للجماعة والصواب ما رأيتم. فقال قصير أرى القدر يسابق الحذر ولا يطاع لقصير أمر فأرسلها مثلاً. وسار جذيمة فلما قرب من ديار الزباء نزل وأرسل إليها يعلمها بمجيئه فرحبت وقربت وأظهرت السرور به والرغبة فيه وأمرت أن يحمل إليه الإنزال والعلوفات وقالت لجندها وخاصة أهل مملكتها وعامة أهل دولتها ورعيتها تلقوا سيدكم وملك دولتكم. وعاد الرسول إليه بالجواب بما رأى وسمع فلما أراد جذيمة أن يسير دعا قصيراً فقال أنت على رأيك قال نعم قد زادت بصيرتي فيه أفأنت على عزمك، قال نعم وقد زادت رغبتي فيه. فال قصير ليس للأمور بصاحب، من لم ينظر في العواقب وقد يستدرك الأمر قبل فواته وفي يد الملك بغية هو بها مسلط على استدراك الصواب فإن وثقت بأنك ذو ملك وعشيرة ومكان فإنك قد نزعت يدك من سلطانك وفارقت عشيرتك ومكانك وألقيتها في يدي من لست آمن عليك مكره وغدره فإن كنت ولا بد فاعلاً لهواك تابعاً فإن القوم أن تلقوك غداً فرقاً وساروا أمامك وجاء قوم وذهب قوم فالأمر بعده في يدك والرأي فيه إليك وأن
The Clever Ones
في ذكر طرف من أحوال الشعراء والمداحينOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.