تلقوك رزدقاً واحداً وأقاموا لك صفين حتى إذا توسطتهم انقضوا عليك من كل جانب فأحدقوا بك فقد ملكوك وصرت في قبضتهم وهذه العصا لا يشق غبارها، وكانت لجذيمة فرس تسبق الطير وتجاري الرايح يقال لها العصا فإذا كان كذلك فتملك ظهرها فهي ناحية بك أن ملكت ناصيتها، فسمع جذيمة ولم يرد جواباً وسار وكانت الزباء لما رجع رسول جذيمة من عندها قالت لجندها إذا أقبل جذيمة غداً فتلقوه بأجمعكم وقوموا له صفين عن يمينه وشماله فإذا توسط جمعكم فتعرضوا عليه من كل جانب حتى تحدقوا به وإياكم أن يفوتكم وسار جذيمة وقصير عن يمينه فلما لقيه القوم رزدقاً واحداً أقاموا له صفين فلما توسطهم انقضوا عليه من كل جانب انقضاض الأحدل على فريسته فأحدقوا به وعلم أنهم قد ملكوه. وكان قصير يسايره فأقبل عليه وقال صدقت يا قصير فقال قصير أيها الملك أبطأت بالجواب حتى فات الصواب. فأرسله مثلاً فقال كيف الرأي الآن قال هذه العصا فدونكنها لعلك تنجو بها فأنف جذيمة من ذلك وسارت به الجيوش. فلما رأى قصير أن جذيمة قد استسلم للأسر وأيقن بالقتل جمع نفسه فصار على ظهر العصا وأعطاها عنانها وزجرها فذهبت تهوي به هوى الريح فنظر إليه جذيمة وهي تطاول به وأشرفت الزباء من قصرها فقالت ما أحسنك من عروس تجلي عليّ وتزف إليّ حتى دخلوا به إلى الزباء ولم يكن معها في قصرها إلا جوار أبكار أتراب. وكانت جالسة على سريرها وحولها ألف وصيفة كل واحدة لا تشبه صاحبتها في خلق ولا زي وهي بينهن كأنها قمر قد حفت به النجوم تزهو فأمرت بالإنطاع فبسطت، وقالت لوصائفها خذوا بيد سيدكن وبعل مولاتكن فأخذن بيده فأجلسته على الالطلاع بحيث يراها وتراه وتسمع كلامه ويسمع كلامها، ثم أمرت الجواري فقطعن رواهشه ووضعت الطشت تحت يده فجعلت تشخب في الطشت فقطرت قطرة على النطع فقالت لجواريها ألا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة لا يحزنك دم أراقه أهله، فلما مات قالت والله ما وهى دمك ولا شفى قتلك ولكنه غيض من فيض ثم أمرت به فدفن وكان جذيمة قد استخلف على مملكته ابن أخته عمرو بن عدي وكان يخرج كل يوم إلى ظهر الحيرة يطلب الخبر ويقتفي الأثر عن خاله فخرج ذات يوم فنظر إلى فارس قد أقبل يهوي به فرسه هوى الريح فقال أما الفرس ففرس جذيمة وأما الراكب فكالهيمة لأمر ما جاءت العصا فأشرف عليهم قصير فقالوا ما وراءك قال سعى المقدر بالملك إلى حتفه على الرغم من انفي وأنفه فاطلب بثأرك من الزباء فقال عمرو وأي ثأر يطلب من الزباء وهي أمنع من عقاب الجو فقال قصير قد علمت نصحي كان لخالك وكان الأجل رائده والله لا أنا عن الطلب بدمه ما لاح نجم وطلعت شمس أو أدرك يه ثأراً أو تخترم نفسي فاعذر، ثم إنه عمد إلى أنفه فجدعه ثم لحق بالزباء على صورة كأنه هارب من عمرو بن عدي فيل لها هذا قصير بن سعد عم جذيمة وخازنه وصاحب أمره قد جاءك فأذنت له فقالت ما الذي جاءك إلينا يا قصير وبيننا وبينك دم عظيم الخطر فقال يا ابنة الملوك العظام لقد أتيت فيما يؤتي مثلك في مثله ولقد كان دم الملك يطلبه حتى أدركه وقد جئتك مستجيراً بك من عمرو بن عدي فإنه اتهمني بخاله وبمشورتي عليه بالمسير إليك فجدع أنفي وأخذ مالي وحال بيني وبين عيالي وتهددني بالقتل وإني خشيت على نفسي فهربت منه إليك، أنا مستجير بك ومستند إلى كهف عزك فقالت أهلاً وسهلاً، لك حق الجوار وذمة المستجير وأمرت به فأنزل وأجرت له الإنزال ووصلته وكسته وأخدمته وزادت في إكرامه وأقام مدة لا يكلمها ولا تكلمه وهو يطلب الحيلة عليها وموضع الفرصة منها وكانت ممتنعة بقصر مشيد على باب النفق تعتصم به فلا يقدر أحد عليها فقال لها قصير يوماً إن لي بالعراق مالاً كثيراً وذخائر نفيسة مما يصلح للملوك وإن أذنت لي في الخروج إلى العراق وأعطيتني شيئاً أتعلل به في التجارة وأجعله سبباً للوصول إلى مالي أتيتك بما قدرت عليه من ذلك، فأذنت له وأعطته مالاً فقدم العراق وبلاد كسرى فأطرفها من طرائفه وزادها مالاً إلى مالها كثيراً وقدم عليها فأعجبها ذلك وسرها وترتب له عندها منزلة وعاد إلى العراق ثانية فقدم بأكثر من ذلك طرفاً من الجواهر والبز والخز والديباج فازداد مكانه منها وازدادت منزلته عندها ورغبتها فيه، ولم يزل قصير يتلطف حتى عرف موضع النفق الذي تحت الفرات والطريق إليه ثم خرج ثالثة فقدم بأكثر من الأولتين ظرائف
The Clever Ones
في ذكر طرف من أحوال الشعراء والمداحينOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.