وقال بعضهم خرجت في الليل لحاجة فإذا أعمى على عاتقه جرة وفي يده سراج فلم يزل يمشي حتى أتى النهر وملأ جرته وانصرف راجعاً فقلت يا هذا أنت أعمى والليل والنهار عندك سواء فقال يا فضولي حملتها معي لأعمى القلب مثلك يستضيء بها فلا يعثر بي في الظلمة فيقع علي فيكسر جرتي. روى أبو الحسن الأصفهاني أن إبراهيم الموصلي دخل على الرشيد وبين يديه جارية كأنها خوط بان فقال لها الرشيد غني فغنت:
توهمه قلبي فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
ومر بوهمي خاطراً فجرحته ... ولم أر جسماً قط يجرحه الفكر
قال إبراهيم فذهبت والله بعقلي حتى كدت أفتضح فقلت من هذه يا أمير المؤمنين قال هذه التي يقول فيها الشاعر:
لها قلبي الغداة وقلبها لي ... فنحن كذاك في جسدين وروح
ثم قال غني يا إبراهيم فغنيت:
تشرب قلبي حبها ومشى بها ... تمشي حميا الكأس في جسم شارب
ودب هواها في عظامي فشفها ... كما دب في الملسوع سم العقارب
قال ففطن بتعريضي وكانت غلطة مني فأمرني بالانصراف ولم يدعني شهراً ثم دس إلي خادماً ومعه رقعة فيها مكتوب:
قد تخوفت أن أموت من الوجد ... ولم يدر من هويت بحالي
يا كتابي اقرأ السلام على من ... لا أسمى وقل له يا كتابي
إن كفا إليك قد كتبتني ... في شقاء مواصل وعذاب
فأتاني الخادم بالرقعة فقلت له ما هذا قال رقعة من فلانة الجارية التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين فأحسست بالقصة فشمت الخادم وقمت إليه فضربته ضرباً شفيت منه نفسي وركبت إلى الرشيد من فوري فأخبرته بالقصة وأعطيته الرقعة فضحك حتى كاد أن يستلقي وقال علي عمد فعلت ذاك لامتحنك وأعرف مذهبك وطريقتك ثم دعا لي الخادم فخرج فلما رآني قال قطع الله يديك ورجليك ويلك قتلتني فقلت القتل بعض حفك لما وردت به علي ولكني أبقيت عليك وأخبرت أمير المؤمنين ليأتي في عقوبتك ما تستحقه فأمر لي الرشيد بصلة سنية والله يعلم أني ما فعلت ما فعلته عفافاً بل خوفاً. وقعت على ابن المهلب حية فلم يدفعها عن نفسه فقال له أبوه يا بني ضيعت العقل من حيث حفظت الشجاعة.
الباب الرابع والعشرون
في ذكر طرف من أحوال الشعراء والمداحين
قال يموت بن المزرع جلس الجماز يأكل على مائدة بين يدي جعفر بن القاسم وجعفر يأكل على مائدة أخرى وكانت الصفحة ترفع من بين يدي جعفر فتوضع بين يدي الجماز فربما كان عليها قليل وربما لم يكن شيء فقال الجماز أصلح الله الأمير ما نحن اليوم إلا عصبة فربما فضل لنا بعض المال وربما أخذه أهل السهام ولا يبقى لنا شيء. قال أبو الحسن السلامي الشاعر مدح الخالديان سيف الدولة بن حمدان بقصيدة أولها:
تصدو دارها صدد ... وتوعده ولا تعد
وقد قتلته ظالمة ... فلا عقل ولا أقود
وقالا فيها في مدحه
فوجه كله قمر ... وسائر جسمه أسد
فلما أنشده إياها عجب بها سيف الدولة واستحسن هذا البيت منها وجعل يردد إنشاده فدخل عليه الشيميطي الشاعر فقال له اسمع هذا البيت وأنشده إياه فقال له الشيميطي أحمد ربك فقد جعلك من عجائب البحر. قال المصنف الخالديان رجلان وهما أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم كانا أخوين واتفقا في حسين الطبع ورقة الشعر وكثرة الأدب وكانا يشتركان في الشعر وينفردان فقال فيهما أبو اسحق الصابي:
أرى الشاعرين الخالدين سيرا ... قصائد يفنى الدهر وهي تخلد
تنازع قوم فيهما وتناقضوا ... ومر جدال بينهم يتردد
فطائفة قالت سعيد مقدم ... وطائفة قالت لهم بل محمد
وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم ... وما قلت إلا بأنني هي أرشد
هما في اجتماع الفضل روح مؤلف ... ومعناها من حيث ثنيت مفرد
خرج طاهر بن الحسن لقتال عيسى بن هامان فخرج وفي كمه دراهم يفرقها على الفقراء ثم سها وأسبل كمه فتبددت فتطير فقال له شاعر في ذلك:
هذا تفرق جمعهم لا غيره ... وذهابه منا ذهاب الهم
شيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إمساكه في الكم