قال رجل لرجل بأي وجه تلقاني وقد فعلت كذا وكذا قال بالوجه الذي ألقى به ربي عز وجل وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك، تكلم بعض القصائص قال في السماء ملك يقول كل يوم لدوا للموت وابنو للخراب فقال بعض الأذكياء اسم ذلك الملك أبو العتاهية، قال استدعي رجل مغنيين فلما هما بالغناء قال أحدهما للآخر اتبعني قال لا بل أنت اتبعني قال لا بل أنت اتبعني فلما طال هذا بينهما قال صاحب البيت اتبعاني جميعاً. قال قدم طباخ إلى بعض الأذكياء طبقاً وعليه رغيفان ثم قال له إيش تشتهي أجيئك به فقال خبزاً، وحكى أيضاً إن بعض المحتسبين جاز يوماً على رجل ينادي على الخبيص رطلين بحبة فقال له ويحك الدبس يباع رطل بحبة والشيرج رطل بقيراط فكيف تبيع أنت الخبيص رطلين بحبة فقال يا سيدنا ما في الخبيص شيء من اللذين ذكرت قال فبع الآن كيف شئت والله الموفق.
الباب الثالث والعشرون
في احترازات الأذكياء
قال الشيخ رضي الله عنه روينا عن العباس بن عبد المطلب أنه سئل أيما أكبر أنت أو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر وأنا ولدت قبله، وروينا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال لبعض أهل المدينة أنا أسن أن أنت فقال له لا أذكر ليلة زفت أمك المباركة على أبيك الطيب وهذا الاحتراز مليح لأنه لم يقل أمك الطيبة. قال ابن عرابة المؤدب حكي لي محمد بن عمر الصبي أنه حفظ ابن المعتز وهو يؤدبه والنازعات وقال له إذا سألك أمير المؤمنين أبوك في أي شيء أنت فقل له في السورة التي تلي عبس ولا تقل أنا في النازعات قال فسأله أبوه في أي شيء أنت قال في السورة التي تلي عبس فقال من علمك هذا قال مؤدبي قال فأمر له بعشرة آلف درهم. قال عبد الواحد بن نصر المخزومي قال أخبرني من أثق به أنه خرج في طريق الشام مسافراً يمشي وعليه مرقعة وهو في جماعة نحو الثلاثين رجلاً كلهم على هذه الصفة فصحبنا في بعض الطريق رجل شيخ حسن الهيئة معه حمار فأره يركبه ومعه بغلان عليهما رجل وقماش ومتاع فاخر فقلنا له يا هذا إنك لا تفكر في خروج الأعراب علينا فإنه لا شيء معنا يؤخذ وأنت لا تصلح لك صحبتنا مع ما معك فقال يكفينا الله ثم سار ولم يقبل منا وكان إذا نزل يأكل استدعي أكثرنا فأطعمه وسقاه وإذا عيي الواحد منا أركبه على أحد بغليه وكانت جماعة تخدمه وتكرمه وتتدبر برأيه إلى أن بلغنا موضعاً فخرج علينا نحو ثلاثين فارساً من الأعراب فتفرقنا عليهم وما نعناهم فقال الشيخ لا تفعلوا فتركناهم ونزل فجلس وبين يديه سفرته ففرشها وجلس يأكل وأظلتنا الخيل فلما رأوا الطعام دعاهم إليه فجلسوا يأكلون ثم حل رحله وأخرج منه حلوى كثيرة وتركها بين يدي الأعراب فلما أكلوا وشبعوا جمدت أيديهم وخدرت أرجلهم ولم يتحركوا فقال لنا أن الحلو مبنج أعددته لمثل هذا وقد تمكن منهم وتمت الحيلة ولكن لا يفك البنج إلا أن تصفعوهم فافعلوا فإنهم لا يقدرون لكم على ضرر وسير ففعلوا فما قدروا على الامتناع فعلمنا صدق قوله وأخذنا أسلحتهم وركبنا دوابهم وسرنا حواليه في موكب ورماحهم على أكتافنا وسلاحهم علينا فما نجتاز بقوم ألا يظنونا من أهل البادية فيطلبون النجاة منا حتى بلغنا ما مننا.
حدثنا أبو محمد عبد الله ابن علي المقري قال دفن رجل مالاً في مكان وترك عليه طابقاً وتراباً كثيراً ثم ترك فوق ذلك خرقة فيها عشرون ديناراً وترك عليها أتراباً كثيراً ومضى فلما احتاج إلى الذهب كشف عن العشرين فلم يجدها فكشف عن الباقي فوجده فحمد الله على سلامة ماله وإنما فعل ذلك خوفاً أن يكون قد رآه أحد وكذلك كان فأنه لما جاءه الذي رآه وجد العشرين فأخذها ولم يعتقد أن شيئاً آخر، حدثني بعض المشايخ أن رجلاً يهودياً كان معه مال فاحتاج إلى دخول الحمام وخاف أن ينكسر سبته إن حمله معه فدخل إلى خزانة الحمام فحفر ودفنه ثم دخل إلى الحمام وخرج فبحث عنه فلم يجده فسكت ولم يخبر أحداً لا زوجته ولا ولداً ولا صديقاً فجاءه بعد أيام رجل فقال كيف أنت من شغل قلبك فلزمه وقال رد مالي لي فقالوا له من أين علمت قال رآني لما دفنته مخلوق ولا حدثت به مخلوقاً قال إن هذا أخذه ما قال كيف أنت من شغل قلبك.