قال المتوكل يوماً لجلسائه أتدرون ما الذي نقم المسلمون من عثمان قالوا لا قال أشاء منها أنه قام أبو بكر دون مقام الرسول بمرقاة ثم ومقام عمر دون مقام أبي بكر بمرقاة فصعد عثمان ذروة المنبر فقال عباد ما أحد أعظم منه عليك يا أمير المؤمنين من عثمان قال وكيف ويلك قال لأنه صعد ذروة المنبر فلو أنه كلما قام خليفة نزل عمن تقدمه منت أنت تخطبنا من بئر جلولاً فضحك المتوكل ومن حوله قال رجل لغلامه يا فاجر فقال الغلام أتولى القوم منهم قال الربيع كنت قائماً على رأس المنصور إذ أتى بخارجي قد هزم له جيوشاً فأقامه ليضرب عنقه ثم قال له يا ابن الفاعلة مثلك يهزم الجيوش فقال له الخارجي ويلك وسوءة لك بيني وبينك أمس القتل والسيف، واليوم القذف والسب وما كان يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقبلها أبداً فاستحى المنصور وأطلقه.
وقال الصاحب بن عباد ما أخجلني غير ثلاثة منهم أبو الحسين البهديني فإنه كان في نفر من جلسائي فقلت له وقد أكثر من أكل المشمش لا تأكله فإنه يلطخ المعدة فقال ما يعجبني ما يطب الناس على مائدته وأخر قال لي وقد جئت من دار السلطان وأنا ضجر من أمر عرض لي من أين أقبلت فقلت من لعنة الله فقال رد الله غربتك فأحسن علي إساءة الأدب وصبي مستحسن داعبته فقلت لبيك تحتي فقال مع ثلاثة أخر يعني في رفع جنازتي فأخجلني قال رجل شربت البارحة فاحتجت إلى القيام لإراقة الماء كأنني جدي فقال له عامي لم تصغر نفسك يا سيدنا.
الباب الثاني والعشرون
في ذكر أقوال وأفعال صدرت من أواسط الناس
وعوامهم تدل على قوة الذكاء
حدثنا يحيى المرزوي قال كنت آكل مع الرشيد يوماً فرفع رأسه إلى خادم فكلمه بالفارسية فقلت له يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تسر إليه شيئاً فإني أفهم بالفارسية فاستحسن الرشيد ذلك مني وقال ليس نطوي سراً. قال عاد أبو عمر الضرير رجلاً من أصحابه فأخذت أمة بيده فصعدت به فلما أراد أن ينزل جاءت فأخذت بيده فقال رديني إلى مولاك فردنه فقال إن جاريتك أخذت بيدي حين صعدت وهي بكر ثم أخذت بيدي الساعة وهي ثيب فسأل عن ذلك فأخبر أن ابناً للرجل افترشها. قال مصعب بن عبد الله قال مالك بن أنس صلى بعض الشطار خلف رجل فلما قرأ ارتج عليه فلم يدر ما يقول فجعل يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وجعل يردد ذلك مراراً فقال الشاطر من خلفه ما للشيطان ذنب إلا أنك ما تحسن تقرأ.
قال محمد بن عبد الرحمن دعا مغن مرة أخاً له فأقعده إلى العصر فلم يطعمه شيئاً فاشتد جوعه فأخذه مثل الجنون فأخذه صاحب البيت العود وقال له بحياتي أي صوت تشتهي أن أسمعك قال صوت المقلي أخبرنا الجماز قال سمعت واحد يقول لا آخر قد رمد بأي شيء تداوي عينيك قال بالقرآن ودعاء الوالدة فقال اجعل معهما شيئاً من أنزروت قال أبو الحسن علي بن هشام بن عبيد الله الكعب المعروف أبوه بأبي قيراط قال سمعت حامد بن العباس يقول ربما انتفع الإنسان في نكبته بالرجل الصغير أكثر من منفعته بالرجل الكبير فمن ذلك أن إسماعيل بن بلبل لما حبسني جعلني في يد بواب كان يخدمه فكان رجلاً حراً فأحسنت إليه وبررته وكان ذلك البواب يدخل لي مجلس الخاصة ولا ينكر عليه لسابق خدمته فجاءني في بعض الليالي وقال قد حرر الوزير علي ابن الفرات وقال ما يكسر المال على حامد غيرك ولا بد من الجد في مطالبته بباق مصادرته وسيدعو بك الوزير غداً إلى حضرته ويهددك فشغل ذلك قلبي فقلت له هل عندك من رأي فقال اكتب رقعة إلى رجل من معامليك تعرف شحه والتمس منه لعاليك ألف درهم يقرضك إياها واسأله أن يجيبك على ظهر الرقعة لترجع إليك لتخرجها فإنه لشحه يردك بعذر احتفظ بالرقعة فإذا طالبك أخرجتها إليه وقلت له قد أفضت حالي إلى هذا فأخرجتها على غير مواطئة فلعل ذلك ينفعك ففعلت ما قال وجاءني الجواب بالرد كما حسبنا فلما كان من الغد أخرجني الوزير وطالبني فأخرجت الرقعة فقرأها فلان واستحى وكان ذلك سبب خفة أمري وزوال محنتي.