قال الشيخ سمعت بعض أصدقائي يحكي أن رجلاً كان يشرب ليلة الجمعة فنهاه بعض العوام وقال له هذه ليلة عظيمة فقال له الرجل في مثل هذه الليلة يرفع القلم فقال العامي ولكن يكتب بصوفة قال فاتعظ الرجل ولم يرجع بعد إلى شرب الخمر. وقفت امرأة قبيحة على عطار ماجن فلما نظر إليها قال وإذا الوحوش حشرت فقالت وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه. استأجر رجل غلاماً ليخدمه فقال له كم أجرتك قال شبع بطني فقال له سامحني فقال أصوم الاثنين والخميس.
شكا جماعة من الصالحين ضرر الأتراك إلى أمير المؤمنين فقال لهم أنتم تعتقدون أن هذا بقضاء الله فكيف أدفع قضاء الله فقال له أحدهم صاحب القضاء قال ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض فأفحم أمير المؤمنين.
الباب الحادي والعشرون
في ذكر من غلب من العوام بذكائه كبار الرؤساء
حدثني رجل من أهل الرقة عن عبد الملك بن عمير قال أخذ زياد رجلاً من الخوارج فأفلت منه فأخذ خاله فقال إن جئت بأخيك وإلا ضربت عنقك قال أرأيت إن جئت بكتاب من أمير المؤمنين تخلي سبيلي قال نعم قال فأنا آتيك بكتاب من العزيز الرحيم وأقيم عليه شاهدين إبراهيم وموسى عليهما السلام أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى قال زياد خلوا سبيله هذا رجل لقن حجته. قال يموت بن المزرع قال لنا الجاحظ ما غلبني أحد قط إلا رجل وامرأة فأما الرجل فإني كنت مجتازاً في بعض الطرق فإذا أنا برجل قصير بطين كبير الهامة طويل اللحية منزر بمئزر وبيده مشط يسقي به شقه ويمشطها به فقلت في نفسي رجل قصير بطين الحي فاستزريته فقلت أيها الشيخ قد قلت فيك شعراً فترك المشط من يده وقال: قل، فقلت:
كأنك صعوة في أصل حش ... أصاب الحش طش بعد رش
فقال لي اسمع جواب ما قلت فقلت هات فقال:
كأنك كندر في ذنب كبش ... يدلدل هكذا والكبش يمشي
وأما المرأة فكنت مجتازاً ببعض الطرقات فإذا أنا بامرأتين وكنت راكباً على حمارة فضرطت الحمارة فقالت إحداهما للأخرى وهي حمارة الشيخ تضرط فغاظني قولها فاحندت ثم قلت لها إنه ما حملتني أنثى قط إلا وضرطت فضربت بيدها على كتف الأخرى وقالت كانت أم هذا منه تسعة أشهر على جهد جهيد.
لقي بعض الأكاسرة في موكبه رجلاً أعور فحبسه فلما نزل خلاه وقال تطيرت منك قال أنت أشام مني لأنك خرجت من منزلك ولقيتني فما رأيت إلا خيراً وخرجت من منزلي فلقيتك فحبستني فلم يعد بعدها يتطير. عن الأصمعي قال، قال الوليد بن عبد الملك لبديح خذ بنا في المنى فوالله لأغلبنك قال لا تغلبني قال بلى لأفعلن وقال فستعلم قال الوليد فإني أريد أتمنى ضعف ما تتمنى أنت فهات قال فإني أتمنى سبعين كفلاً من العذاب ويلعنني الله لعناً كثيراً فقال غلبتني قبحك الله قال مرض مولى لسعيد بن العاص ولم يكن له من يخدمه ويقوم بأمره فبعث إلى سعيد بن العاص فلما أتاه قال له ليس لي وارث غيرك وههنا ثلاثون ألف درهم مدفونة فإذا أنا مت فخذها فقال سعيد حين خرج من عنده ما أرانا إلا قد أسأنا إلى مولانا وقصرنا في تعاهده فتعاهده كل التعاهد ووكل به من يخدمه فلما مات اشترى له كفناً بثلاثمائة درهم وشهد جنازته فلما رجع إلى البيت حفر البيت كله فلم يجد شيئاً وجاء صاحب الكفن يطالب بثمن الكفن فقال لقد هممت أن أنبش عليه وأسلبه كفنه. أتى الحجاج برجل ليقتله وبيده لقمة فقال والله لا أكلتها حتى أقتلك قال أو خير من ذلك تطعمينها ولا تقتلني فتكون قد بررت في يمينك ومننت علي فقال ادن مني فأطعمه إياها وخلاه. وأتى الحجاج برجل من الخوارج فأمر بضرب عنقه فاستنظره يوماً قال ما تريد بذلك قال أؤمل عفو الأمير مع ما تجري به المقادير فاستحسن قوله وخلاه.
وبلغنا عن عمرو بن العاص أنه منع أصحابه ما كان يصل إليهم فقام إليه رجل فقال أيها الأمير اتخذ جنداً من حجارة لا تأكل ولا تشرب فقال له عمرو أخسا أيها الكلب فقال له الرجل أنا من جندك فإذا كنت كلباً فأنت أمير الكلاب وقائدها.