قال: فعدت متوشحاً بكساء فوقفت بين يدي الملك فقال: ما لك فقلت حممت الساعة. فقال هل تعرف سبب حماك؟ قلت نظرت في ديوان أبي نواس فقال لا تخف لا بأس عليك من هذه الحما فسجدت بين يديه وانصرفت. وروى أبو الحسن بن هلال ابن الحسن الصابي في تاريخه قال حدثني بعض التجار وقال كنت في المعسكر، واتفق أن ركب السلطان جلال الدولة يوماً إلى صيد على عادته فلقيه سوادي يبكي فقال مالك؟ فقال لقيني ثلاثة غلمان أخذوا حمل بطيخ كان معي وهو بضاعتي. فقال امض إلى المعسكر فهناك قبة حمراء فاقعد عندها ولا تبرح إلى آخر النهار، فأنا أرجع وأعطيك ما يغنيك، فلما عاد السلطان، قال لبعض شرائه قد اشتهيت بطيخاً ففتش العسكر وخيمهم على شيء منه ففعل وأحضر البطيخ فقال عند من رأيتموه؟ فقل في خيمة فلان الحاجب. فقال أحضروه. فقال له: من أين هذا البطيخ فقال الغلمان جاؤوا به. فقال أريدهم الساعة فمضى وقد أحس بالشر فهرب الغلمان خوفاً من أن يقتلوا وعاد فقال: قد هربوا لما علموا بطلب السلطان لهم. فقال أحضروا السوادي، فأحضر فقال له هذا بطيخك الذي أخذ منك؟ قال نعم. قال فخذه وهذا الحاجب مملوك لي وقد سلمته إليك ووهبته لك حتى يحضر الذين أخذوا منك البطيخ، ووالله لئن أخليته لأضربن رقبتك. فأخذ السوادي بيد الحاجب فأخرجه فاشترى الحاجب نفسه بثلاثمائة دينار فعاد السوادي إلى السلطان وقال يا سلطان قد بعت المملوك الذي وهبته لي بثلاثمائة دينار فقال قد رضيت بذلك قال نعم قال اقبضها وامض مصاحباً السلامة.
قال الصابي وحكى لي من كان حاضراً باصفهان: قال جاء إليه تركماني قد لزم يد تركماني، فلما دخلا إليه قال هذا وجدته قد ابتنى بابنتي وأريد أن أقتله بعد إعلامك به قال لا بل تزوجها به ونعطي المهر من خزائننا، فقال لا أقنع إلا بقتله. فقال هاتوا السيف، فجيء به فسله وقال للأب تعال، فلما قرب منه أعطاه السيف وأمسك بيده الجفن وأمره أن يعيد السيف إلى الجفن، فكلما رام الرجل ذاك قلب السلطان المجفن ولم يمكنه من إدخال السيف، فقال يا سلطان ما تدعني فقال كذلك ابنتك لو لم ترد ما فعل بها هذا فإن كنت تريد قتله لأجل فعله فاقتلهما جميعاً، ثم أحضر من زوجه بها وأعطاه المهر من خزانته.
حدثنا الأصمعي قال وفد فلان بن أبي بردة على عمر بن عبد العزيز وهو بحاضرة، فلزم سارية من المسجد يصلي إليها بحسن الركوع الخشوع وعمر بن عبد العزيز ينظر إليه فقال عمر للعلاء بن المغيرة وكان خصيصاً بعمر. فقال له العلاء بن المغيرة: أنا آتيك يا أمير المؤمنين بخبره فأتاه وهو يصلي بين المغرب والعشاء فقال له اشفع صلاتك فإن لي حاجة فلما سلم من صلاته قال له العلاء تعرف منزلتي وموضعي من أمير المؤمنين فإني أن أشرت عليك أني وليك العراق ما تجعل لي قال عمالتي سنة، وكان مبلغها عشرين ومائة ألف. قال فاكتب لي على ذلك خطاً فقام من وقته فكتب له خطاً بذلك فحمل ذلك الخط إلى عمر بن عبد العزيز فلما قرأه كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وكان والياً على الكوفة: أما بعد فان بلال غرنا بالله فكدنا نغتر به ثم سبكناه فوجدناه حبثاً كله. قال مؤلف الكتاب وبلغنا أن رجلا وعظ أميراً فأنفذ إليه الأمير مالاً قبله فلما عاد الرسول قال الأمير كلنا صياد ولكن الشباك تختلف وقيل لما خطب السفاح يوم بويع سقطت العصا من يده فتضير من ذلك فقام بعض أصحابه فأخذها ومسحها ودفعها إليه ثم أنشد:
فألقت عصاها واستقرث بها النوى ... كما قر عيناً بالأياب المسافر
فسر بذلك وسرى عنه وأكرمه.
نزل أمير بقرية فاحتاج إلى المزين يمسح شعره فجاء الأمير وحده إليه وقال أنا حاجب هذا الأمير الذي قد نزل بكم فامسح شعري فإن كنت حاذقاً جاء الأمير فمسحت شعره وإنما فعل ذلك لئلا يعلم أنه الأمير فينزعج فيجرحه.
حدثني عمر بن عثمان قال دخل المنصور أمير المؤمنين قصراً فرأى في جداره كتاباً:
ومالي لا أبكي بعين حزينة ... وقد قربت للظاعنين حمول