ثم إنه أراد الإمضاء فضحك وقال يا ربيع أعطه الألف درهم الذي وعدته وألفاً آخر وعن مبارك الطبري قال سمعت أبا عبيد الله تقول خلا أبو جعفر يوماً مع يزيد بن أبي أسيد فقال يا يزيد بن أبي أسيد فقال يا يزيد ما ترى في قتل أبي مسلم فقال أرى أن تقتله وتقرب إلى الله بدنة فوالله لا يصفوا ملكك ولا تهنأ بعيش ما بقي فنفر مني بقرة ظننت أنه سيأتي على ثم قال قطع الله لسانك واشمت بك عدوك أتشير علي بقتل انصر الناس لنا وأثقلهم على عدونا أما والله لولا حفظي لما سلف منك وأن أعدها هفوة من هفواتك لضربت عنقك قم لا أقام الله رجليك قال فقمت وقد أظلم بصري وتمنيت أن تسيخ الأرض بي فلما كان بعد قتله قال لي يا يزيد أتذكر يوم شاورتك قلت نعم قال فوالله لقد كان ذلك رأياً وما لا شك فيه ولكن خشيت أن يظهر منك فتفسد مكيدتي ومن المنقول عن المهدي عن القاسم بن محمد بن خلاد عن علي بن صالح قال كنت عند المهدي ودخل عليه شريك بن عبد الله القاضي فأراد أن يبخره فقال الخادم بالعود الذي يلهى به فوضعه في حجر شريك فقال شريك ما هذا يا أمير المؤمنين قال هذا أخذه صاحب العسس البارحة فأحببت أن يكون كسره على يد القاضي فقال جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين فكسره ثم أفاضوا في حديث حتى نسى الأمر ثم قال المهدي لشريك ما تقول في رجل أمر وكيلاً له أن يأتي بشيء بعينه فأتى بغيره فتلف ذلك الشيء فقال يضمن يا أمير المؤمنين فقال للخادم أضمن ما تلف بقضيته.
ومن المنقول عن محمد بن الفضل قال أخبرنا بعض أهل الأدب عن حسن الوصيف قال قعد المهدي قعوداً عاماً للناس فدخل رجل وفي يده نعل ملفوفة في منديل فقال يا أمير المؤمنين هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهديتها لك فقال هاتها فدفعها إليه فقبل باطنها ووضعها على عينيه وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم فلما أخذها وانصرف قال لجلسائه أترون أني لم أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها فضلاً عن أن يكون لبسها ولو كذبناه قال للناس أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها على وكان من يصدقه أكثر ممن يدفع خبره إذا كان من شأن العامة ميلها إلى أشكالها والنصرة للضعيف على القوى وإن كان ظالماً اشترينا لسانه وقبلنا هديته وصدقنا قوله ورأينا الذي فعلنا انجح وارجح ومن المنقول عن المأمون رحمه الله قال المبرد حدثني عمارة بن عقيل قال ابن أبي حفصة الشاعر أعلمت أن أمير المؤمنين يعنى المأمون لا يبصر الشعر فقلت من ذا يكون أفرس منه وأنا لننشداول البيت فيسبق آخره من غير أن يكون سمعه قال فإني أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرك له وهذا البيت فاسمعه.
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقلت له ما زدته على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها مسبحة فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولاً عنها وهو المطوق لها إلا قلت كما قال عمك جرير لعبد العزيز بن الوليد.
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله