قال أبو عثمان المدائني كان في جوارنا ببغداد رجل يلعب بالكلاب فاسحر يوماً في حاجة ومعه كلب كان يختص به من كلابه فرده فلم يرجع فمشى حتى انتهى إلى قوم كان بينه وبينهم عداوة فصادفوه فقبضوا عليه والكلب يراهم فخرج الكلب وقد لحقته جراحة فجاء إلى بيت صاحبه يعوي وافتقدت أم الرجل ابنها فأثبتت أن الجراح التي بالكلب من فعل من قتل ابنها وأنه قد تلف فأقامت عليه المأتم فطردت الكلاب عن بابها فلزم ذلك الكلب طلب القاتل فاجتاز القاتل وهو رابض فعرفه ونهشه وعلق به فاجتهد المجتازون في تخليصه منه فلم يمكنهم وارتفعت ضجة وجاء حارس الدرب فقال إنه لم يعلق هذا الكلب بالرجل إلا وله معه قضية ولعله الذي جرحه وخرجت أم القتيل فرأت الكلب متعلقاً بالرجل وسمعت كلام الحارس فذكرت بأن هذا الرجل مما كان يعادي ابنها فوقع في نفسها أنه قاتله فتعلقت وادعت عليه القتل وارتفعا إلى صاحب الشرطة فحبسه بعد أن ضرب ولم يقر ولزم الكلب باب الحبس فلما كان بعد أيام أطلق الرجل فلما خرج علق به الكلب ففرق بينهما وما زال يسعى خلفه ويصيح إلى أن دخل بيته فدخل خلفه ومعه صاحب الشرطة من حيث لا يعلم فكبس الدار فأقبل الكلب بمخاليبه موضع القتيل فنبش فوجد الرجل فضرب المتهم فأقر على نفسه وعلى الباقين فقتل وصلبوا.
وحدثنا محمد بن الحسين بن شداد قال رأيت رجلاً له كلب يقربه ويغطيه بديباج كان عليه فسألته عن السبب فقال كان لي رفيق يعاشرني فخرجنا في سفر وكان في وسطي هميان فيه جملة دنانير ومعي متاع كثير فنزلنا في موضع فعمد إليّ فأوثقني كتافاً ورمى بي في وادٍ وأخذ ما كان معي ومضى وقعد هذا الكلب معي ثم تركني ومضى فما كان بأسرع من أن وافاني ومعه رغيف فطرحه بين يدي فأكلته ولم أزل أحبو إلى موضع فيه ماء فشربت منه ولم يزل الكلب معي باقي ليلتي ثم نمت ففقدته فما كان بأسرع إن وافاني ومعه رغيف فأكلته فلما كان في اليوم الثالث غاب عني فقلت يمضي ويجيئني بالرغيف فجاء ومعه الرغيف فرمى به فلم أستتم أكله إلا وابني يبكي على رأسي وقال ما تصنع ههنا وما قصتك ونزل وحل كتافي وأخرجني فقلت له من أين علمت بمكاني ومن دلك عليّ فقال كان الكلب يأتينا في كل يوم فنطرح له الرغيف على اسمه فلا يأكله وقد كان معك فأنكرنا رجوعه ولست معه وكان يحمل الرغيف بفمه ولا يذوقه ويغدو فأنكرنا أمره فاتبعته حتى وقفت عليك فهذا خبري وخبر الكلب. قال كان للحرث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم فعبث أحدهم بزوجته وأرسلها وكان للحرث كلب قد رباه فخرج الحرث في بعض منتزهاته وتخلف عنه ذلك الرجل وجاء إلى زوجته فأقام عندها فلما جامعها وثب الكلب عليهما فقتلهما فلما رجع الحرث نظر إليهما فعرف القصة وترك من كان يعاشره واتخذ كلبه نديماً فتحدث به العرب فأنشأ يقول:
فللكلب خير من خليل يخونني ... وينكح عرسي بعد وقت رحيلي
سأجعل كلبي ما حييت منادمي ... وأمنحه ودي وصفو خليلي
وقال ابن عبيدة خرج رجل من البصرة فاتبعه كلب فوثب بالرجل قوم فجرحوه ورموه في بئر وحثوا عليه التراب فلما انصرفوا أتي الكلب رأس البئر فبحث حتى ظهر رأس الرجل وفيه نفس يتردد فمر قوم فأخرجوه حياً.
قال ابن خلف وحدثني بعض أصدقائي قال: دخلت بستاناً ومعي كلبان لي قد ربيتهما فنمت فإذا هما فانتبهت فلم أر شيئاً أنكره فعاودوا النبح فضربتهما ونمت فإذا بهما يحركاني بأيديهما وأرجلهما كما يوقظ النائم فوثبت فإذا أسود سالح قد قرب مني وثبت فقتلته فكانا سبب سلامتي.