كيف أسلو عنه وأنا أراه، أو أنساه وهو لي تجاه؟ هيهات! هو أغلب عليّ وأقرب إليّ من أن يرخى له عذاري، أو يخلّيني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي في سلكه؛ وبعد أن ناط حبّه قلبي نائط، وساطه بدمي سائط؛ فهو جارٍ مني مجرى الروح في الأعضاء، ومتنسّم معي رَوْح الهواء، إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقفت عليه، ما أُحب السُّلُّوَّ عنه مع هناته، وما أُوثر الخُلُوَّ منه على عِلاته؛ هذا على أنه إن أقبل لم يُهْنئني إقباله، وإن أعرض لم يطرقني خياله، يبعد عليّ مَناله، ويقرب من غيري نواله، ويردُ عيني خاسية، ويثني يدي خالية، وقد بسط مسافات النفس المتقاربة، وصدّق مَراميَ الظُّنون الكاذبة، وصْلُه يُنْذِرُ بضِدّه، وقُربه يُؤذِن ببُعده، يدنو عِدْل ما يَبرَح، ويأسُو مثل ما يجرح؛ فحاله أحوال، وخلّته خلال،وحربه سِجال. الحسن من عوائده، والجمال من منائحه، والبهاء من فصوله وصفاته، والسّناء من نعوته وسِماته؛ اسمه طِبق لمعناه، وفحواه وفق لنجواه،ولا يتشابه حالاه، ويتضارع قُطراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تغشاه يستطير؛ كالبدر بين سُعوده قد وسطها وحفّت به يقدُمه النَّسران، ويتلوه نطاق الجوزاء، وهكذا؛ ولو قلت إن الواسطة الغُميصاء لها هادٍ وتابع، إن فرّقتَهما اتفقا، وإن ألَّفتهما تفرّقا، يُقبل بِشَوْك السَّيال، ويُدبر بسفى البُهمى، ويعترض بسُودٍ قِصار سواسية كأسنان الحمار - لصَدقت.
فأَبِن لي ما قُلتُه، فهو تعريض كالتَّصريح، وتمريض كالتصحيح، والسلام.
وحدثني أبو غالب الكاتب قال: كتب أبو الفضل إلى أبي دُلَف الخزْرجي في أوائل عِلّته التي نهَكته وحالفته، يثعاتبه ويعابثه فقال: " الآن علمتُ، أيها الشيخ، أنك لي مكايد، وإلى جميع ما أنهاك عنه مخالف، وعلى دَيْدَنك المعروف ثابت، وبفضلة لسانك مسحور، وبشائع حلمي عنك مغرور، وليت ثقتك بذلك لا تخونك، وتطوّلي عليك لا يتطاول بك، واغترارك بغيري لا يُزلّك، وليتك، إذ قد ضللت سواءَ السبيل في حظّك، شاوَرتَني فكنتُ لا أبخلُ عليك بالهداية.
يا هذا! شكوتُ إليك أوائل هذه العلّة التي قد تخوَّنتني ونهكتني وكان التَّلافي سهلا، وباب العافية مفتوحاً، فوعدت بالقيام عليها وبذل النصيحة في تدبيرها، وكنت لشكري على ذلك حائزاً، وبمُقترحك مني فائزاً، فتقاعست عني بلا عُذر، ووَقفتَني بين وصْل وهجْر، فلم أدرِ كيف أُخاطبك، وعلى ماذا أُعاتبك؛ لأني يئستُ من نُجوع العتاب فيك، ومن إحاكة الخطاب في قلبك؛ ولأنك مشهور بِقحة، ومذكور بسلاطة، ومعتاد للبهت، وجارٍ على الكذب.
وأول ذلك أنك تدّعي بُنُوّة محمد بن زكريا من ناحية ابنته، وقد شاهدتُ محمداً وما خلّف بنتاً، ولا وَلَدت بنت لم تكن له ابناً، ولو كانت له بنتٌ وولدت ابناً لم يكن أنت، ذاك للغوائل المجموعة فيك، والعيوب المتناثرة عليك.