فاستدرك فارطه، وسلك في مسألة منطقه بحث المغالطة، ووصل خليل سلطان إلى الجسر فوجد عقده قد انحل، ونظامه قد اختل، فلم يكترث ببرندق وما فعل، بل عقده مرة ثانية ودخل، وولى وراء سيحون من البلاد، متوليها أولاً وكان يدعى خدايداد، وهو من أكبر أعدائه، ومن رفقاء تيمور ونظرائه، ومنسوباً إلى السلطان حسين، وهو في تلك البلاد بمنزلة الرأس والعين، فلم يسع خليل سلطان إلا مسالمته، وإقراره في بلاده ومهادنته، إذ أموره كانت في أوائلها، ففوض إليه أمرها والقلوب في غوائلها
ذكر وصول خليل سلطان
بما ناله من سلطان إلى الأوطان
ثم توجه إلى سمرقند فاستقبله كبراؤها، وخرج إليه نائبها وزعماؤها، ووفد عليه نواب البلاد، منغمسين في السواد، لابسين أثواب الحداد، وجاء الأكابر والعظام، معظمين هاتيك العظام، ومهنئين خليل سلطان بالسلامة، ونيل سرير الزعامة قلت
ووجه كل قد غدا ... مثل الربيع القادم
وعين سحب قد بكت ... وثغر زهر باسم
وجعلوا يقدمون التقادم السنية، والحمولات البهية، وهو يقابل كل منهم بما يليق بحشمته، وينزله في منزلته، وقال لبرندق لا تثريب، وقابله مقابلة الخليل الحبيب، ومهد لهم بساط المباسطة، وسلم إليه مسألة المغالطة، وحين ثبتت أوتاده اقتلعه، وألقاه على غفلة في فم أسد المنية فابتلعه، ثم أشلى على دياره كلاب النهاب، وشهاب الالتهاب، فمزق أديمها، وهتك حريمها، ومحا حديثها وقديمها
ذكر مواراة ذلك الخبث
وإلقائه في قعر الجدث
ثم إنه أول ما اشتغل بمواراة جده، وتنجيز أمره وإلقائه في حفرة لحده، فوضعه في تابوت من أبنوس وحمله الرءوس على الرؤوس، ومشى في تشييع جنازته الملوك والجنود، حاسري الرؤوس لابسي الثياب السود، ومعهم طوائف الأمراء والأعيان، وأنزلوه على حفيده محمد سلطان، في مدرسة حفيده المذكور، بالقرب من مكان يسمى روح آباد وهو موضع مشهور فكان هناك على أثاف، في سرداب معلوم غير خاف، وأقام عليه شرائط العزاء، من إقراء الختمات والربعات والدعاء، وتفريق الصدقات، وإطعام الأطعمة والحلاوات، وسنم قبره، ونجز أمره، ونشر على قبره أقمشته، وعلق على الجدران أسلحته وأمتعته، كل ذلك ما بين مكلل ومرصع، ومزركش ومصنع أدنى شيء من ذلك يقوم بخراج إقليم، وحبة من كدس تلك الجواهر تفوت التقويم، وعلق نجوم قناديل الذهب والفضة في سماء غواشيها، وبسط على مهادها فرش الحرير والديباج إلى أطرافها وحواشيها ومن جملة هذه القناديل قنديل من ذهب زنته أربعة آلاف مثقال، رطل واحد بالسمرقندي وبالدمشقي عشرة أرطال ثم رتب على حفرته القراء والخدمة، وأرصد على المدرسة البوابين والقومة وقدر لهم الإدارات، من المسانهات والمياومات والمشاهرات، ثم نقله بعد ذلك بمدة إلى تابوت من فلاذ، صنعه رجل من شيزار ماهر في صنعته أستاذ، وقبره في مكانه المشهور، تنقل إليه النذور، وتطلب عنده الحاجات، ويبتهل عنده بالدعوات، وتخضع الملوك إذا مرت به إعظاماً، وربما تنزل عن مراكبها إجلالاً له وإكراما
فصل في اعتدال الزمان، وأخبار خليل سلطان
ولما أخذت تيمور الصيحة بالحق فصار غثا، وقعد خليل سلطان على التخت وقام الشتاء بعد أن كان جثا، مد الشعراء ألسنتهم للزمان بالمدح ولخليل سلطان بالتهنئة ولتيمور بالرثا، فسمع الشتاء وغنى صوته وأجاز، ورفع عن العالم في نهوضه الكلاكل والإعجاز فابتهج الكون بورود الربيع، وشكر الروض للساحب ما أسداه إليه من حسن الصنيع، ورفع على الروابي من الشقائق أعلامه، ونصب مما زهره خيام الصنع من أزهار الأشجار خيامه، ونور الحدق بأنوار الحدائق، واستنطق بتسبيح الخالق، من خطباء الأطيار على منابر الأغصان في جوامع الرياض ما استنصت بلغاته كل ناطق، من كل مغرب في ديوان الفصاحة رائق، ومعجب بأسرار البلاغة فائق، فرقصت الأشجار، لغناء الأطيار، وصفقت الأنهار، واعتدل الليل والنهار، واكتسى البسيط الأغبر خلع السندس المزهر، وتبدلت الأغصان من قطنى الثلوج، كل ثوب بأصباغ القدرة مزهر وبدمقس الأزهار منسوج، وكل قباء صار مزهرا في كل دف أغن لكل طائر وفروج، وبسط الكون على المكان لإقدام قدوم خليل سلطان، شقق الورود والريحان