وتمكن من العساكر وسائر الأمراء، وخلاصة الجند وأساطين الزعماء، واحتوى على تلك الأمم، وطوائف الرءوس من العرب والعجم، وأدخل عنق الجميع في ربقة المتابعة وفتح لهم في أسواق الصداقة حوانيت الصلاة فعاملوه بعقود المبايعة، ولم يمكن أحداً منهم الخروج عن الدخول في الطاعة، والتخلف عن المبادرة إلى مبايعته في ذلك اليوم ولا ساعة، فأطلق لهم البشرة، وأحسن معهم العشرة، وكان يوسفي الخلق، محمدي الخلق، خليلي الرفق، اسماعيلي الصدق، جمع حروف الملاحة، وحاز صنوف الصباحة، نقش محاسنه كاتب الصنع بقلم الكاف والنون، على أحسن ما يكون من الحركات والسكون، فأول ما مشق على لوح الجمال قد ألف قده القويم، فباء له كل من فاء عن لام عذاره متقوساً في خدمته كالدال والجيم، وحسن لكل راء ما فيه من زين، وما شين سين ثغره وميم فمه مذ فاها بخلف ولا مين، فاستقفى بوابله كل قاف واستكفى بنائله كل كاف، وأمطر من غين كفه العين فصاد من الجند كل ذي لام وباء، ودال بذلك كل من باء عن وعده، ورجع عن عهده وفاء، ففدت الواقيات مهجته، ورقت من عين الحوادث بهجته وعوذت منه الأرداف، بالطور والأحقاف، وحمت نون حاجبه وفاه طرفه وطرته وردفه ب " حم عسق " وفتحت له الملوك بالثناء فاها وخفضت لارتفاعه خدودها معوذة له وقالت يس طه
ذكر خلاص العساكر من البند
وقفولهم مع عظامه إلى سمرقند
ولما ذبح قصاب الفناء تيمور ونحره، جزره كالجزور فجعل يخور كالثور وبقره، ثم أراد أن يصليه من نار الجحيم حفره، فاستغاث بخليله فأجاره وأخره، وقال لا تعجل عليه وحمله في محفة بعد العجلة وصبره، وألوى راجعاً إلى سمرقند، وكان قد انحل نهر خجند، وطالب الشتاء قد أدرك ثأره، وبرد قلبه وسكنت الحرارة قلت
ورق للعالم قلب النسيم ... وأقبل الدهر بوجه بسيم
ثم هجم جيش الربيع المنصور، فانهزم جند البرد فولى وهو مكسور
ذكر ما أضمره وزراء تيمور
وأخفاه كل منهم في التامور
وكان في أفلاك ذلك العسكر سيارات نجوم بهم سماؤه تزهر، وبآرائهم يقتدى، وبروائهم يستضا قلت
من كل منتجب للأمر منتخب ... كالشمس رأياً وكالضرغام إقداما
قد هذبتهم الأمور، وشذبتهم بلايا تيمور، واستفتح بهم المغالق، واستوسع بصدماتهم المضايق، وتخلص بحملاتهم من شدة كل مارق، وتوصل بعزمهم إلى نيل المآرب، وتوسل بعزيمتهم إلى كنوز المطالب فكان هو البدر وهم الهالة، وهو الفاعل وهم الآلة، وهو الروح وهم الحواس، وهم الأعضاء وهو الرأس فلما كورت شمس مواكبهم، وانتثرت كنس كواكبهم، ورحل زحلهم، وخاب أملهم، فلت
وعوض الكون الدجى بالضحى ... وبدل المريخ بالمشتري
أجال كل منهم قداح فكره، وتدبر في ذلك الحادث وعاقبة أمره، واستصغر خليل سلطان وعلم أن سيأتيه موج المنازعة من كل مكان، وأنه لا يصفو له ورد الملك من مكدر، ولا هواه من مغبر، وأقل الأشياء أن يقول له رسول أكابر أقاربه كبر كبر، فأعد لكل شدة شدة، ولكل غدة عدة، ولكل خزة فزة، ولكل جزة جمزة، ولكل بؤس لبسا، ولكل سهم ترسا، ولكل نائبة نابا، ولكل بائقة بابا، ولكل خطب خطابا، ولكل خطاب جوابا، ولكل حرب حرابا، ولكل أمر أمرا، ولكل غدر عذرا، ولكل أزمة حزمة، ولكل نصب نصبة، ولكل كسرة جزمة ولكن شكيمة البرد كانت ردت جماح كل جموح، وصفيحة الجمد قدت جناح كل سبوح، فما وسع كلاً منهم إلا الإطاعة، والانقياد لأمر خليل سلطان بالسمع والطاعة، واستمروا معه على القفول، مضمرين لخليل ما أضمره للحبيب عبد الله ابن أبي سلول، وكان أحدهم يدعى برندق، فرام إلى التحصن بقلعة المخالفة التسلق، فقال لخليل سلطان إن اقتضت الآراء أن أتقدم، وأمهد لك الأمور إلى حين تقدم، فأكون رائد دولتك، وقائد سلطنتك، فأشيد القواعد، وأبشر الصادر والوارد، فيكون كل مستعداً للملاقاة ومهيأ أسباب الموافاة، فأذن له، وأمامه أرسله، فوصل إلى سيحون وقد عقد عليه جسر بالمراكب وهيئت أسباب عبوره لكل راجل وراكب، فعبره برندق بجماعته، ثم أمر بقطعه من ساعته، وأعلن العصيان، وقصد سمرقند مجاهراً بالطغيان
فكشرت أسوارها ... في وجهه أنيابها
وأسبلت عصمتها ... ببابها حجابها
وأسدلت على جبين ... منعه نقابها