ثم كال عليه من حواصل الثلوج ما يقطع الحديد ويفك الزرد، وأنزل عليه وعلى عساكره من سماء الزمهرير من جبال فيها من برد، وأرسل عقيبها زوابع سوافيه فحشتها في آذانهم ومآقيهم، ودستها في خياشيمهم فاستقبلت بها نزع أرواحهم إلى تراقيهم، وجعلت تلك الريح العقيم " ما تذر من شيء، أتت عليه إلا جعلته كالرميم " وأصبحت مشارق الأرض ومغاربها من الثلوج المنقضة، كأنها بر عرصات القيامة أو بحر صاغه الله من الفضة، فكانت إذا بزغت الصقعاء ولمع الصقيع تراءى شيء عجب، سماء من فيروزج وأرض من بلور ما بينها شذور الذهب، فإن هبت فيما بين ذلك والعياذ بالله نسمة ريح، على نسمة ذي روح، أخمدت نفسه، وجمدته وفرسه، وكذلك الجمل والجمال، حتى أتت على مرق وانتهى الشأن إلى أن طابت النار وردا، وصارت لواردها سلاماً وبردا، وأما الشمس فإنها ارتجفت، وجمدت عينها من البرد ونشفت، وصارت كما قيل
يوم تود الشمس من برده ... لو جرت النار إلى قرصها
فكان الرجل إذا تنفس جمدت أنفاسه على سباله ولحيته، فيصير كأنه فرعون وقد رصع لحيته بحليته، وإن لفظ من فيه لفظة نخامة عاقدة، لا تصل إلى الأرض مع ما فيها من الحرارة إلا وهي بندقة جامدة، فانكشف ستر الحياة عنهم، وأنشد لسان حال كل منهم
فيا رب إن البرد أصبح كالحاً ... وأنت بحالي عالم لا تعلم
فإن كنت يوماً مدخلي في جهنم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
فهلك من عساكره الجم الغفير، وأتى الشتاء على كثير من كبير منهم وصغير، وشاط منهم أنوف وآذان وسقط، وانحل عقد نظامهم وانفرط، ولا زال الشتاء يهب ويصب عليهم ريحاً وبحارا، حتى أغرقهم فيها وهم عاجزون حيارى، ونودي عليهم " مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا " وهو مع ذلك لا يلتفت إلى من مات ولا يتأسف على ما فات
ذكر مرسوم أرسله إلى ألله داد، بت فيه من الأكباد
وفت القلوب والأعضاد، وزاد ما خبله فيه من هموم بأنكاد
وكان تيمور حين مخرجه من سمرقند أرسل إلى الله داد بأشباره، مرسوماً أذهب فيه قراره، ونفر طائر نومه عن وكر أجفانه وأطاره، وفهم من فحواه بالإشارة، أنه طالب دماره، ومؤتم أولاده ومخرب دياره شد عليه فيه المضائق، وسد في وجهه الطرق والطرائق، واقترح عليه فيه بأمور يسهل عندها قطع الجبال ونقل الصخور، ويعذب عند أدناها شرب البحور، من أقلها أن يهيئ له بمفرده، إقامة ليوم قدمه دون غده، خضيماً يأكله ليله، وقضيماً يطعمه خيله، ومن عرض ذلك مائة " ألف " حمل جمل طحيناً خاصه، وهو مخصوص به لليلة واحدة خاصة، وأنه مع عساكره الجرارة، لا يبيت سوى ليلة واحدة بأشباره، إلى غير ذلك فلما اطلع الله داد على هذا الكتاب، وفهم ما تضمنه فحوى هذا الخطاب، علم أنه قد حل به العذاب، فسلب وعيه، وبذل سعيه، وأخذ في إعداد الطحين، واجتهد في إدارة الطواحين، وكانت الطواحين أوقف من حال أديب، في هذا الزمن العجيب، ومجاري مياهها أيبس من كف شحيح، كلف زمن القحط تذرية الدقيق في الريح، ودماء الأنهار في مجاري عروق الجبال ناضبة، ودموع العيون في آماق الغروب غاربة فبذل ما كان أعده لكل نائبة وشدة، وأهان نفائس الأموال واستعان على إجراء الماء بالمال، واستغاث بأولي النجدة من الرجال، واستمد المدد، من كل عد وثمد، واستنهض آراء المشفقين من الأصحاب، واستدفع بهم ما نزل به من مخلب للبلاءات وناب، وقرع لفتح ما ارتج عليه مما لا طاقة له به كل باب فاستجابوا دعاءه، وأجابوا صداه ونداءه، وتأوهوا لمضضه، واستطبوا لمرضه، وجمعوا من العملة والفعلة الأسود والسراحين فعملوا في سوق الأنهار من الأعمال ما يدير الطواحين، وجعلوا يعاندون البرد، ويقطعون في طريق الماء الجمد، فكانوا كالضارب في حديد بارد، والمكابد بتزويق وعظه تليين قلب الجاحد، حتى سهلت حزونه، ورق لمكابدتهم فدمعت عيونه وصاروا لا يقطعون من الجليد، مقدار ذراع بالحديد، إلا وتهب نسمة يابسة، على تلك الوجوه العابسة، فإذا هب بارد النسيم، قابله الماء بوجه بسيم، فيبرد قلبه عن نارهم، ويصرد لبه عن أوارهم، فيجمد ما فوق ذلك، فتضيق عليهم المسالك، فيرجعون القهقرى، ويمشون كالحبال إلى ورا، والله داد مع ذلك يبذل الأموال، وينادي مستغيثاً يا للماء يا للرجال قلت