فحين أمن مكرهم وسد بالمصالحة ثغرهم صمم العزم على التوجه إلى ممالك خوارزم وهم مجاوره غرباً بشام ومباينوه بتمشية قواعد الإسلام وتختهم مدينة جرجان وهي من أعظم البلدان وهذه المملكة ذات مدن عظيمة وولايات جسيمة، تختها مجمع الفضلاء ومحط رحال العلماء ومقر الظرفاء والشعراء ومورد الأدباء والكبراء ومعدن جبال الاعتزال وينبوع بحار أهل التحقيق من أرباب الهدى والضلال، نعمها كثيرة وخيراتها غزيرة، ووجوه فضائلها مستنيرة، واسم سلطانها حسين صوفي وهو من الاعتقادات الباطلة قد عوفي، ومدن ما وراء النهر وضع بعضها قريب من بعض لأنها كلها مبنية باللبن والآجر على الأرض وأهل خوارزم كأهل سمرقند في اللطافة وأفضل من أهل سمرقند في الحشمة والظرافة يتعانون المشاعرة والأدب، ولهم في فنون الفضل، والمحاسن أشياء عجب، خصوصاً في معرفة الموسيقى والأنغام، ويشترك في ذلك منهم الخاص والعام، ومما هو مشهور عنهم أن الطفل في المهد منهم إذا بكى أو قال آه فإن ذلك يكون في شعبة دوكاه فلما وصل تيمور إلى خوارزم كان حسين صوفي غائباً عنها، فنهب حواليها وما وصلت يده إليه منها ولم يقدر عليها، فلم يكترث بها ولا التفت إليها، ثم لم أطراف حاشيته وعاد إلى مملكته
ذكر عوده ثانياً إلى خوارزم
ثم إنه شد حزام الحزم وكر ثانياً إلى خوارزم باستعداد تام وجيش طام وكان سلطانها أيضاً غائبا وأقام لجميلة بكرها خاطبا، فحاصرها وضاجرها وشدد على أعناق مسالكها التلابيب وكاد أن يتشبث بأذيالها منه المخاليب فخرج إليه رجل من أعيانها وكان تاجرا وله قدم صدق عند سلطانها يقال له حسن سوريج، والتمس أن يرفع عنهم ذلك الأمر المريج وأن يبذل له ما طلب في مقابلة ما يريد من أسر وسلب فطلب منه حمل مائتي بغل فضة، ترفع إلى خزائنه نضة فلم يزل يراجعه ويلاطفه ويمانعه حتى صالحه على ربع سؤاله وأقام المصالح بذلك من ماله وصلب حاله، ووزن له ذلك في الحال وأخذ تيمور في الترحال وكف عن الأذى شياطين جنده وعزم على التوجه إلى سمرقنده
ذكر مراسلته ملك غياث الدين سلطان
هراة الذي خلصه من الصلب وراود فيه أباه
ثم إنه راسل سلطان هراة ملك غياث الدين الذي كان مغيثه عملاً بقوله كتب الله على كل نفس خبيثة وطلب منه الدخول في ربقة الطاعة وحمل الخدم والتقادم إليه بحسب الاستطاعة وإلا قصد دياره وبلغه دماره فأرسل ملك غياث الدين يقول صحبة الرسول أما كنت خادماً لي وأحسنت إليك وأسبلت ذيل إحساني ونعمتي عليك؟ فختلت وقتلت وفتكت وفتلت وفعلت فعلتك التي فعلت، وذلك بعد أن نجيتك من الضرب والصلب، فإن لم تكن إنساناً تعرف الإحسان فكن كالكلب فعبر جيحون وتوجه إليه فلم يكن لغياث الدين قوة الوقوف بين يديه، فأرسل إلى حشمه وسكان قراه فاجتمعوا هم ومواشيهم حول هراة وحفر خندقاً حول البساتين، محيطاً بالرعاع وضعفة المساكين، وحصر نفسه في القلعة، وحسب أن يكون له بذلك منعة، وذلك لركاكة رأيه أولا وآخراً وجمود قريحته وقلة عقله وانعكاس فكره ودولته قلت
من لم يصادف سعده تقديره ... يخطفه في تدبيره تدميره
فلم يكترث تيمور له بقتال وحصار، ولكن أحاطت به العساكر دائراً ما دار ومكث تيمور في الأمن والدعة، وعدوه في الضيق بعد السعة، فاضطربت الرؤوس والحواشي ومارت الأنعام والمواشي، وغص البلد بالزحام، وهلكت الخواص والعوام، وأضناهم " الوصب وأنضاهم " السغب وعلاهم الصراخ والصخب فأرسل إليه السلطان يطلب منه الأمان وعلم أنه اختنق بسببه وأنه أعانه أولاً فبلي به فذكره سابقة العرفان وما أسداه إليه من إحسان، وطلب منه تأكيد الأمان بالأيمان فحلف له تيمور فحلف له تيمور أنه يحفظ له الذمام القديم وأن لا يراق له دم ولا يمزق له أديم فخرج إليه ودخل عليه وتمثل بين يديه فدخل تيمور إلى المدينة وصعد إلى قلعتها الحصينة وصحبته السلطان، وقد أحاطت به جنود هراة والأعوان فأشار واحد من أبطال صاحب هراة على السلطان أن يقتل تيمور ويجعل نفسه فداه وقال له ما معناه أنا أفدي المسلمين بنفسي ومالي وأقتل هذا الأعرج ولا أبالي، فلم يجبه إلى إشارته واستسلم لقضاء الله تعالى وإرادته وقال إن لله تعالى تصريفاً في عباده ولا بد أن ينفذ فيهم سهم مراده ولا مفر من القضا ولا محيد عما قدر الله وقضى