وكان في سمرقند طائفة من الدعار كثيرون وهم أنواع، فمنهم مصارعون ومنافقون وملاكمون ومعالجون، وهم فيها بينهم فرقتان كالقيس واليمن والعداوة والمقاتلة بينهم قائمة على مر الزمن، ولكل طائفة منها رؤس وظهور وأعضا وضروس وكان تيمور مع أبهته يخافهم لما كان يظهر له عنادهم وخلافهم فكان إذا قصد جانبا أقام له في سمرقند نائبا فإذا بعد عن المدينة خرج من تلك الجماعة طائفة فخلعوا النائب أو خرجوا مع النائب وأظهروا المخالفة فما يرجع تيمور إلا وقد انفرط نظامه وتخبطت أموره وتشوش مقامه فيحتاج إلى تجديد تمهيد وتخريب وتشييد فيقتل ويعزل ويعطي ويجزل ثم يتوجه لتمهيد ممالكه وتوطيد مسالكه فيعودون إلى عكرهم ويثوبون إلى خلتهم ومكرهم، وتكررت هذه القضية نحواً من تسع مرار فضاق تيمور ذرعاً بالأشرار والدعار فأعمل الحيلة في اغتيالهم، وكف أذاهم واستئصالهم، فصنع سورا ودعا إليه الخلائق كبيرا وصغيرا وصنف الناس أصنافاً، وجعل كل ذي عمل إلى عامله مضافا وميز أولئك الدعار مع رؤسائهم على حدة، وفعل معهم ما فعله أنوشروان بن كيقباد بالملاحدة، وأرصد له في أحد الأطراف أنصارا وقرر معهم أن كل من أرسله إليهم يولونه دمارا، ويكون إرساله إليهم على قتله شعارا، ثم إنه جعل يدعو رؤس الناس ويسقيهم بيده الكاس ويخلع عليهم أفخر اللباس، وإذا أفضت النوبة من أولئك الدعار إلى أحد سقاه كأسه وخلع عليه وأشار أن يتوجه به إلى نحو الرصد، فإذا وصل إليهم خلعوا عنه خلعته بل وثوب الحياة فهتكوه وسكبوا عسجد قالبه في بوتقة الفناء فسبكوه إلى أن أتى على آخرهم واستوفى بذلك قطع دابرهم، ومحا آثارهم، وأطفأ نارهم، فصفت له المشارع وخلا ملكه من مجاذب ومنازع ولم يبق له فيما وراء النهر ممانع ولا مدافع
فصل في تفصيل ممالك سمرقند
وما بين نهري بلخشان وخجند
فمن ذلك سمرقند وولاياتها وهي سبعة تومانات واندكان وجهاتها وهي تسعة تومانات والتومان عبارة عما يخرج عشرة آلاف مقاتل وفيما وراء النهر من المدن المشهورة والأماكن المعتبرة المذكورة سمرقند ومسورها قديماً على ما زعموا اثنا عشر فرسخاً وكان ذلك على عهد السلطان جلال الدين قبل جنكيز خان ورأيت حد مسورها من جهة الغرب قصبة بناها تيمور وسماها دمشق ومسافتها عن سمرقند نحو من نصف يوم والناس إلى الآن يحفرون سمرقند العتيقة ويخرجون دراهم وفلوساً سكتها بالخط الكوفي فيسبكون الفلوس ويخرجون منها فضة ومن مدن ما وراء النهر مرغينان وهي التخت التي كانت قديما وبها كان إيلك حان ومنها خرج الشيخ الجليل العلامة برهان الدين المرغيناني صاحب الهداية رحمه الله، وخنجند وهي على ساحل سيحون، وترمذ وهي على ساحل جيحون ونخشب وهي قرشي المذكورة، وكش، وبخارى وأندكان وهي أماكن مشهورة وغير ذلك ومن الولايات بلخشان، وممالك خوارزم، وإقليم صغانيان، إلى غير ذلك من الأطراف الواسعة والأكناف الشاسعة وفي عرفهم ما وراء النهر إلى جهة الشرق توران وما كان في هذا الطرف إلى جهة الغرب إيران ولما اقتسم كيكاوس وافراسياب البلاد كانت توران لافراسياب، وإيران لكيكاوس بن كيقباد، وعراق هو معرب إيران
فصل
في " ذكر ابتداء ما فعله من التسلط بالقهر بعد استصفائه ممالك ما وراء النهر ولما صفت له ممالك ما وراء النهر وذلت لأوامره جوامح الدهر، شرع في استخلاص البلاد واسترقاق العباد وجعل ينسج بأنامل الحيل الأشراك، والأوهاق، ليصطاد بذلك ملوك الأقاليم وسلاطين الآفاق فأول من صاهر المغول وصافاهم وهادنهم وهاداهم وتزوج ببنت قمر الدين ملكهم، وصار آمناً من تبعتهم ودركهم، وهم جيرانه من جهة الشرق ولا تباين بينه وبينهم ولا فرق، إذ العلة وهي الجنسية والمصاهرة والمجاورة حاصلة للجهتين، والملة هي التوراة الجنكيز خانية ممشاة في كلتا الدولتين، فأمن شرهم وكفي كيدهم وضرهم
ذكر تصميمه العزم وقصده جمع الأطراف
وأولاً ممالك خوارزم