ففي الحال ملأوا تلك الدارة، من الحصباء والحجارة، ثم أمر أن يفعل بتلك الحجارة في ذلك المهوى البعيد، ما يفعل بهم في جهنم يوم يقال لها " هل امتلأت وتقول هل من مزيد " فألقوا في ذلك الوادي بعض ما لموه، من أكداس تلك الحجارة فطموه، وبقي في بيادر ذلك الحجر، أخفاف ما رمى من البصر، ولما امتلأ الوادي من الأحجار، مشوا عليها وقربوا من الأسوار، ونصبوا السلالم وتسلقوا، وبناصية مراميها تعلقوا، فأقلع أهل القلعة عن الكلام، وطلبوا الأمان وقالوا ادخلوها بسلام وكان هذا الحصار والتلجئة، في شوال سنة أربع وثمانمائة، ولما استقر فيها أمر بتلك الأحجار أن تنقل من واديها، ففي الحال سفوها، وفي مكان أخذوها منه رموها، ثم ولى بها شخصاً يدعى الشمس، وولى عنها كما ولى أمس وهذه القلعة نحو من نصف يوم عن أرزنجان، ومن القلاع المشهورة في الدنيا بالمناعة والعصيان، فلا جرم حين استولى عليها، وأفضى بصارمه الذكر إليها، وفتحها قهراً، ومنحها جبراً، أبرد بهذا المغنم البارد، إلى كل صادر في ممالكه ووارد بكتب ترجم فيها من الأخبار كل سائح وشارد وعنوان هذه الترجمة، بلفظها من غير ترجمة
بحد سيوف داميات لدى الوغى ... فتحنا بحمد الله حصن كماخ
وذكر فيها ابن عثمان وخطابه إليه، وكيف رد جوابه الحمق عليه، ومن جملته، وبعض ترجمته، إنا ما جفوناه ولا تعدينا عليه، ولكن رققنا له القول وتلطفنا إليه، وقلنا له يخرج من قروح مملكته مادة الفساد، وهي أحمد جلائري وقرا يوسف التركماني اللذان أخربا البلاد، وأهلكا العباد، والرضى بالمعصية معصية، والإقرار على الكفر كفر، والفاسق المحروم البائس، شر من الفاسد الظلوم الملابس، فصارا في الفساد وزيريه وهو الأمير، وفي العناد صغيرين وهو الكبير، وعاشراه على ذلك ووالياه فلبئس المولى وبئس العشير، فأفسداه وما انصلحا، وخسراه وما ربحا، فكأنه عنى شأنهم، من أظهر قولهم وشأنهم بقوله
ولا ينفع الجرباء قرب صحيحه ... إليها ولكن الصحيحة تجرب
ولم يزل على طريقته العوجا، فأشبه لما أجارهم مجير أم عامر العرجا، فنهيناه فما انتهى، ونبهناه فما أرعوى، وأريناه العبر في غيره فما اعتبر، وناداه لسان انتقامنا من المخالفين الحذر الحذر، وكنا وضعنا اسمه مع اسمنا، على عادة حشمتنا وأدبنا في المراسلات ورسمنا، فتعدى طوره، وأبدى جوره، وكان في بعض مراسلاته، وما وضعه في مكاتباته، كتب اسمه تحت اسم طهرتن، وهذا هو الواجب عليه والحسن، ولا شك أن طهرتن بالنسبة إلينا، كبعض خدمنا، وأقل حشمنا ثم إنه أعنى بايزيد لما طالع كتابنا، ورد جوابنا، وضع اسمه فوق اسمنا بالذهب، وهذا لما فيه من كثرة الحماقة وقلة الأدب، ثم ذكر أنه توجه يروم، استخلاص ممالك الروم، وتشدق في هذا الكتاب، وتفيهق في هذا الخطاب فهو أحد دساتير الكتاب والأساطير المستعان بها في الخطاب والجواب
؟ذكر ما عزم ابن عثمان عليه
عند انصباب ذلك الطوفان إليه
فلما بلغ ابن عثمان ما قصده، وأنه جعل طالعه في سماء الحرب رصده، توجه لقتاله، واستعد لاستقباله، وكان على مدينة استنبول محاصراً آثمها وكفارها، وقد قارب أن يفتحها وتضع الحرب عنها أوزارها، وأن جنده كان عنده، ولكن أمر بطارقة الغزاة، والشواهين من كواسر جيشه والبزاة، وسراة السرايا وكرام كرميان، وأحلاس خيل السواحل وقروم قرمان، وأجناد ولايات منتشا وأساورة صاروخان، وجمع أمراء التومانات والسناجق، وأصحاب الرايات ورءوس الفيالق، ونواب جميع الثغور والأمكنة، مما هو جار تحت تختي بروسا وأدرنة، وكل من دبج البحر الأخضر من بني الأصفر، من رايته البيضاء بالدم الأحمر، وفاق سويداء كل عدو أزرق، بسهامه السود على جواده الأبلق، أن يعملوا مصلحتهم، ويأخذوا حذرهم وأسلحتهم واستعان في ذلك بكل بطريق وعلج مارجي، داخل في أمان المسلمين على قتال كل باغ وخارجي