فقلت سلا ولا تسلسلا، فقالا نسألك بالله الذي اصطفاك لخزن كلامه، الذي تعبد به عباده وبين لهم فيه معالم حلاله وحرامه، لا تؤاخذنا بما تهجمنا عليك به، فإن الشيخ المرشد كالوالد الشفوق لا يؤاخذ ولده بقلة أدبه، فقلت كلا سلا ما شئتما، وسلسلا مهما أردتما فقالا يا سيدنا أما كان لك مندوحة عن مرافقة هؤلاء اللئام، والتعفف بالحلال استغناء عن الحرام؟ فقلت إني دخلت فيهم وأنا مضطر، وخرجت معهم أنا كاره مجبر، وأكرهني محمد سلطان، وحاياني بما حباني من إحسان، فصحبتهم وعين ذاتي من كحل الراحة مرها، وحملتني فرسي في سفري كرها ووضعتني كرها، فقالا أرأيتك لو امتنعت عن الخروج أكانوا يريقون دمك ويأسرون أولادك ويسبون حرمك؟ فقلت لا والله، وحاشا لله، فقالا أكانوا يحبسونك، ويضربونك وفي مقام المصادرة يجلسونك؟ فقلت أنا أمنع جنابا، من أن يسوموني خسفاً وعذابا، لأني حافظ القرآن، والقرآن حافظي من هذا الخسران، قالا فغاية فعلهم معك، إذا رأوا تعززك وتمنعك، أنهم كانوا يشتمونك، ويعمدون إلى معلومك فيقطعونك، ويسخطون عليك، ويمنعون برهم الواصل إليك، فقلت ولا كانوا أيضاَ يفعلون كذا، وتعززي وتمنعي ما يحط من مكانتي عندهم إلى هذا الأذى، ولكنهم حايوني فاستحيت، وخادعوني فانخدعت وليتني أبيت فقالا لا يصلح هذا لك عذراً وحجة، ولا يسلك بك إلى صحة الاعتذار بين يدي الله تعالى سوى المحجة، فهلا جلست في مكانك واشتغلت بتلاوة قرآنك، ومطالعة علمك ومباحثة إخوانك، وفرغت بدنك عن الكلال، وملأت بطنك من الحلال، واحتميت في حمى دينك عن هؤلاء اللئام، واسترحت من الاضطرار إلى تناول الحرام، مع أنا سمعنا من أمثالكم، ما قد ضرب في أمثالكم " أهل القرآن وقاصته، أهل الله وخاصته " وأنهم عتقاؤه بين خلقه، وببركاتهم أدر سحاب رزقه وإن السلاطين ملوك الناس أجمعين، وإنكم أنتم ملوك الملوك والسلاطين وإذا أعتقكم الله أعفاكم الناس، وصرتم لإنسان العالم بمنزلة القلب والكبد والرأس، ولم يبق لأحد عليكم سلطة، ثم ألقيتم أنتم أنفسكم بأيديكم إلى هذه الورطة، وتهافتم على التهالك تهافت الفراش على النار، وتشبثتم مع كونكم قادرين على الخلاص بأذيال القسر والاضطرار، فكيف يصح هذا الاعتذار؟ وأنى ينجيكم هذا العذر من عذاب الملك الجبار؟ وهل صرتم إلا كما قيل
معاشر القراء يا ملح البلد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد
فقلت أما إذا حررتما القضية، فكلنا في هذه المصيبة سوية
" بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي "
وقيل
بي مثل ما بك يا حمام البان ... أنا بالقدود وأنت بالأغصان
فبكيا وانتحبا، وتأوها والتهبا، وتنفسا الصعدا، وقالا أين ما بين قصتنا وقصتك في المدى؟ فورب الخافقين، إن بين القصتين لبعد المشرقين، ولكن ما للمقال مجال، وما كل ما يعلم يقال، وأين السر من الإعلان؟ وإن الحيطان لها آذان فقلت هذا أيضاً ليس بحجة، فلا تعدلا عن سواء المحجة فقالا نحن المضطرون جبراً، المأخوذون قهراً وقسراً، وإنا مكتوبون في الديوان، مضافون إلى واحد من أعيان الأعوان، إذا ورد علينا مرسوم بالبروز، في يوم عيد مثلاً أو نوروز، ويكون الخروج وقت الظهر، وتأخر منا واحد إلى وقت العصر، لم يكن له جزاء فيما ارتكبه، إلا الصلب أو ضرب الرقبة، فضلاً عن ضرب وشتم وشناعة، أو زفع عدل أو تقديم شفاعة، وأين أنت عن قعود ما أو تخلف، أو استتار بذيل توار أو توقف؟ فنحن مدى الدهر لمثل هذا مستوفزون، وعن مثل ما جرى على أضرابنا من هذا البلاء متحرزون، مصيخون أبداً لما أشار وما أمر، عاملون بمقتضى " رحم الله من رأى العبرة في غيره فاعتبر " " و " يا ليتنا أمكننا التحويل عن مملكته، والرحيل عن إقليم ولايته وسلطنته، وكيف لنا بذلك وهي مسقط رأسنا ومحل أناسنا، ومحط إيناسنا، وإيلاف رحلتنا، ومزدرعات معيشتنا، ومدرج آبائنا، ومخرج أبنائنا، ومقام قبائلنا وعشائرنا، ومثابة قاطننا وغابرنا، ولو غاب من هوام قبائلنا جدجد فضلاً عن بلبل أو هدهد، لجحف الباقين سيل الظلم والحيف، ولتحكم في رقاب سائرنا صائل الموت بالسيف