وأما إذا برزنا، وعزمنا على المسير معه وتجهزنا،فنسأل كم سنة يغيب، وأي جهة يريد ذلك المريد المريب، فنأخذ أهبتنا لذلك المقدار، وكل منا ابن عم للآخر وجار، وله جرابه فيه سويقه، ومعه كلفة نفسه وفرسه وعليقه، يصوم مدى الدهر ويفطر على ما يسد الرمق، ويلبس ما يستر العورة من رث الثياب والخلق، كل ذلك من زرع أيدينا وكدنا، وما بذلنا فيه من عرق جبيننا، والحلال غاية جهدنا، لا نتعرض لمال أحد ولا لعرضه، ولا نقف في طريق إبرامه ولا نقضه، ولا لأحد عندنا نشب، ولا بيننا وبين أحد علاقة ولا سبب، ولكن يا مولانا البلاء الطام، والمصاب العام ثم رقصا رءوسهما يميناً وشمالاً، وارتعدت فرائصهما هيبة وجلالاً، وابيضت شفاههما، واسودت جباههما، وأخذا في البكاء والعويل، وانتحبا الانتحاب العريض الطويل، فوالله لقد ذابت نفسي لديهما، واستصغرت كبار المشايخ بالنسبة إليهما، وتفكرت فيما هما فيه من شدة الأمر، وعلمت أنهما القابضان بكفيهما على الجمر، ثم تأوهت آهاً بعد آه، وقلت بالله يا إخوتاه، وما هذا البلاء الطام والمصاب العام الذي ذكرتماه؟ قالا خيولنا ومواشينا، وحوامل مهادنا وغواشينا، نرفق بها في التحميل، وما نركبها إلا وقت الإعياء في الرحيل، وأمر قضيمها قصم ظهرنا، وأعجز أمرنا،واضطررنا إلى الخض في دماء المسلمين وأموالهم، وألجأنا إلى رعي زرعهم وتحمل وبالهم وما ندري كيف المخلص، وأنى ننجو من ذلك المقنص؟ فبالله يا سيدنا الشيخ هل تجد لنا في هذا الأمر الغالي رخصة؟ أو هل من قطرة برود تطفئ هذه الحرارة وتسكن شرق هذه الغصة؟ فقلت لا والله إلا عناية الله، وأيم الله لقد أشبعتماني شراً، وجرعتماني صبراً ومقراً، وأسقيتماني نكداً وضرا، وكان هموم ما بي، من نصبي وعذابي، تكفيني، إلى يوم تكفيني، فقد زدتماني بلاء على بلائي، وعناء على عنائي، فبالله من أنتما، وما أسماؤكما، وفي أي قطر أرضكما وسماؤكما، ومع من أنتما؟ فحييتما ما حييتما، فخبراني ولا تحيراني، لأجيء كل وقت إليكما، وأفوز بالسلام عليكما فقالا يا مولانا، الحمد لله الذي برؤيتك حبانا، إن معرفتنا لا تجديك شيئاً ولا تبرك، وعدم المعرفة بنا لا يؤذيك ولا يضرك، والغالب على ظننا يا مولانا، أنك بعد اليوم لن ترانا، وإن قدر اجتماع فنحن نسعى على رؤوسنا إليك، وخليفتنا الله والسلام عليك ثم ودعاني وما وقفا، وأودعاني أليم الفراق وانصرفا وهذا من البحر قطرة، ومن الطود ذرة، ونسأل الله تعالى أن يصون عن الزلل أقوالنا، وعن الخطل والخلل أفعالنا وأحوالنا بمنه ويمنه آخره، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل
The Wonders of Destiny
فصلOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.