وأما عساكره وطرائق سلوكهم، فإنهم على دين ملوكهم، كانوا استدرجوا من حيث لا يعلمون، ورزقوا من حيث لا يحتسبون، مسخراً لهم خفيات الدفائن، مفتوحاً عليهم خبيات الخزائن، ميسراً لهم مكامن المطالب والمعادن، كل طرف منهم قد جال وسطا، وصار بطرق اللوم أهدى من القطا، قد دربوا الأمور، وجربوا أحوال الدهور، وقاسوا معاصر العصور، وكابدوا المكايد، وعالجوا الشدائد، ومارسوا الأشياء، وذاقوا الناس والدنيا، وعرفوا مداخل كل مأزق ومخارجه، وأدركوا مداركه ومعارجه، لا يدهيهم داهية، ولا يطغيهم طاغية، ربما يمرون بقفراء ويجيزون بمهمه صحراء
لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر
فيقف بعضهم ثم تراه، ينظر إلى أرض ذلك المكان وثراه، ثم يقول ليس هذا الثرى من هذا البرى، ثم ينزل عن دابته، ويأخذ من ذلك التراب ويشمه، ثم يلتفت إلى جهاته الأربع فيقصد منها جانباً ويؤمه، ثم لا يزال يسير بمن معه من الأعوان، حتى يصلوا إلى مكان، فيحفروه ويخرجوا كمين الدفائن، وما في ذلك " المكان " من المغلات والخزائن وكذلك إذا وصلوا إلى عمائر، أو مروا على مقابر، يتوجهون إلى الخبء كأنهم وضعوه بأيديهم، أو أوحت شياطينهم ذلك إليهم، وربما يجيئون إلى مقام، مر على ساكنه فيه أيام، ومضى عليه فيه شهور وأعوام " وفيه شيء مطمور، لم يكن لصاحبه وساكنه به شعور " فبمجرد دخولهم إليه، يفتح ذلك إليهم ويطلعون عليه، وحين يطلع ساكنه على ذلك يأكل ندامة وحسرة يديه وكان لهم درايات في دهرهم عجيبة، وسهام آراء في عمرهم مصيبة، وكانوا يحملون البقر ويركبونها، ويسرجون الحمر ويلجمونها، ويسابقون على ذلك أصحاب الخيل العراب إلى " إحراز " قصبات المغانم فيسبقونها ويطعمون الجمل، لحم الكلب والحمل، ويعتاضون عن شعير الفرس، بالقمح والأرز والدخن والزبيب والعدس، وربما أعوزهم ذلك في السفر، فأطعموا دوابهم لحاء الشجر حكى " لي " القاضي برهان الدين إبراهيم بن القوشة الحنفي المذكور رحمه الله تعالى، أن قازان والتتار، لما قدموا هذه الديار، خرج من له قوة الفرار فاراً من الشرور، كما فعلوا في قضية تيمور، ومن جملتها تاجر بالصالحية، كان في عيشة رخية، وله أموال وافرة وفية، جمع ماله من صامت المال، ووضعه في قدرة فوال، ثم عمد إلى بركة ماء فحفرها، ووضع تلك القدرة تحتها وطمرها، ثم ردها إلى مبانيها وأعاد مياهها إلى مجاريها، وحين استتب الوثوب، وقدمت الدواب للركوب، قالت له امرأته نسينا قرطي، وأخاف أن يحدث عليهما في الطريق شيء، فانظر لهما مكانا، وحصل لنا بذلك أمانا، فقال أما الآن فلا مكان، ثم أخذهما ووضعهما في سقف سقيفة، على خشبة لطيفة ثم ركبا، وتركا الديار وذهبا، فلما حل بدمشق التتار، نزل منهم فرقة في تلك الدار، فجعلوا يأكلون ويشربون، وهم في خوضهم يلعبون، فبينا هم بعض الأيام في النشاط، قرض الفأر أحد تلك الأقراط، فتدحرجت لؤلؤته وسقطت على البلاط، فتبادرت الجماعة إليها جارية، كأنهم يتسابقون إلى قرطي مارية، فسبقت الجماعة، ودخلت البلاعة، فكشفوا عن وجه الأرض ستر خدرها، فوجدوا الأموال كما هي في قدرها، فأخذوها واللؤلؤة وأخرجوها وقصدوا باقي القرطين واقتسموها وجماعة تيمور أيضاً كذا كانت، وكل معضلة من القضايا إذا وصلت إليهم هانت، وكل منهم كان على دين ملكه في فنه إلى غايته عرج، فإن كنت محدثاً عن أحوالهم وأخبارهم فحدث عن البحر ولا حرج
فصل
يحكى أن واحداً منهم من أهل الذكاء والكيد، أراد في فصل الشتاء التنزه فقصد الصيد، فأخرج مركوبه وهو بقرة، فشد عليها سرجه وهو خشبة مكسرة، غرزه قضيب مدور، وحزامه حبل مبتر، وتجمل بلباسه وهو جلد فروة منهوش، وبتاجه وهو طرطور من لبد منقوش، وشد كنانته وهي جلود ممزقة، مشدودة بحبل وعليها خروق ملزقة، سهامها قد التوت، وحنيتها قد استوت، ومعه بازي قد نتف القرناص ريشه، وقلع على حقل بدنه زرع خوافيه وحشيشه