فقال ذلك المباشر، لمن في ذلك المكان حاضر، يا للعجيبة، والقضية الغريبة، رجل لم يغسل وجهه ثلاثة أيام " يرشد الناس إلى معالم الإسلام فقال ذلك العابد الزاهد أو رجل هو من يتم ثلاثة أيام " بوضوء واحد، ولكن تعال أيها الجاحد، قف مكانك، وثبت جنانك، ولا تكن ممن أنكر وتولى، وانظر إلى عروس الكعبة كيف تجلى، فنظر ذلك الذي أنكر، فإذا الكعبة أمامه تتبختر، ثم التفتوا إلى الشيخ ففقدوه، وطلبوه أرضاً وسماء فلم يجدوه وهذا المسجد فيه شيء عجب، عدة اسطوانات من خشب، من جملتها سارية شمخت ارتفاعاً، نحو من خمسة عشر ذراعا، وغلظ جسمها وبدنها، فلا يقدر الرجل " على أن " يحتضنها، وباقي السواري بها قد حطن، قيل إنها شجرة قطن، ولها خاصية عجيبة ظريفة غريبة من كان به وجع الضرس يضع عليه مقدار حبة من خشب ذلك البرس، فإنه ينفعه، ويسكن في الحال وجعه، جربته فصح، ويسأل من يدعي رؤية سمرقند عما رأى فيها من العجائب، وشاهده من علامات الطرائف والغرائب، فإن أخبر برؤية هذه السارية الفائقة، كانت رؤياه صادقة، واعتد له بصدق الكلام، وإلا كانت رؤيته أضغاث أحلام
فصل
سمرقند ليس فيها كيل ولا صاع يصان، ولا يجري على جنس المكيلات فيها بالكيل حسبان، وإنما معرفة حساب ذلك عندهم بالميزان، ورطل سمرقند أربعون أوقية، كل أوقية بالمثاقيل مائة، فيكون رطلهم أربعة آلاف مثقال، كل مثقال درهم ونصف من غير زيادة ولا إخلال، فعلى هذا رطلهم بالدمشقي عشرة أرطال حكى لي مولانا محمود الحافظ المحرق الخوارزمي، ولقب بالمحرق لأن سهام ترجيعاته كانت تصيب حبات الحشاشات إذ ترمى، ويفوق رنات أوتارها نحو آذان القلوب فتصمى ولا تنمى، فإن صدعت من القلوب حجراً، تطاير من اقتداحها في الأرواح شررا، فيحرق برناته الأرواح، ويشعل بنغماته الأشباح قال استصحبني تيمور في بعض أسفاره، فكنت ملازم خدمته في ليله ونهاره، فنزلت عساكره على حصن تحاصره، وضرب خيمته على مكان عال، ليشرف منه على القتال، ويتفرج في صنع الرجال، ففي بعض الزمان، حضرت عنده أنا ورجلان، وكان قد حصل له حمى، أورثته كرباً وغما، وكانت سماء النزال ذات حبك واحتباك، ورماح القتال في التواء واشتباك فأراد أن يطالع أحوالهم، ويشاهد أفعالهم، وأفرطت شهوته في ذلك إلى العيمة فقال احملوني إلى باب الخيمة، فدخل ذلك الرجلان تحت إبطيه، وأوقفاه بباب الخيمة وأنا بين يديه، فجعل يشاهد حربهم، ويتميز طعنهم وضربهم، ثم أراد أن يأمرهم بشيء، فقال لي يا محمود إلي فأسرعت إلى يده، ودخلت تحت عضده، فأرسل أحد الرجلين إلى عسكره يأمرهم بما عن " له " من عجره وبجره فكأنه لم يبر عليلا، ولم يرو غليلا، فقال لنا دعاني، وعلى الأرض ضعاني، فوضعاه فسقط كأنه رمة بالية، أو لحمة على بارية، ثم أرسل ذلك الرجل الآخر إليهم، وأمرهم بما اقتضته آراؤه، وأكد عليهم، فبقيت أنا وهو وحدنا، ولم يبق أحد عندنا، فقال لي يا مولانا محمود، انظر إلى ضعف بنيتي، وقلة حيلتي، لا يد لي تقبض، ولا رجل تركض، لو رماني الناس هلكت، ولو تركوني وحالي ارتبكت، لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، ولا أجلب خيراً ولا أدفع شراً ثم تأمل كيف سخر الله تعالى لي العباد، ويسر لي فتح مغلقات البلاد، وملأ برعبي الخافقين، وأطار هيبتي في المغربين والمشرقين، وأذل لي الملوك والجبابرة، وأهان بين يدي كل الأكاسرة والقياصرة، وهل هذه الأفعال إلا أفعاله، وهذه الأعمال إلا أعماله؟ ومن هو أنا غير سطيح ذي فاقة، لا باب لي في الدخول إلى هذه الأفعال ولا طاقة، ثم بكى وأبكاني، حتى ملأت بالدموع أرداني، فانظر إلى هذا الوبر كيف سلك بهذا القول مسلك القائلين بالجبر، وأنشدوا فيه " بالفارسي بيتين وهما "
ينم تنى ملك جهانرا كرفت ... حشم كشا قدرت يزدان ببين
باي نه وتخت بزير قدم ... دست نه وملك بزير نكين
ترجمته فقلت دوبيت
قد أظهر قدرة بخافي حكمه ... من ملك شقى الدنا في قسمه
لا كف له والملك في خاتمه ... لا رجل له والتخت موطئ قدمه
فصل