فأرسل يقول قد علمتم كيف آذاني، ومزق عرضي وأخزاني، وأخرجني من ملكي وسلطاني، وغربني عن أهلي وإخواني، وأذلني إذ رأسني بمفارقة حبي وأوطاني، والآن فقد جعلني ترساً، يتقي بي الحوادث والبأسا، وقد عرفتم كيف يريد أن يتصرف، وعلى كل حال فالعارف لا يعرف، ومع هذا مهما رأيتم في ذلك من المصلحة فافعلوه، ففي الحال قطعوا رأسه وإليه أرسلوه
ذكر عود خليل سلطان من ممالك أندكان
وقصده عمه شاه رخ، ولعبه بالنفس مع ذلك البرخ
واستمر خليل سلطان، في ذلك المكان، وأطراف تركستان، يرسل بالفارسي الأشعار الفراقية، وينشئ في حبيبته ما ينسي القصائد الزيدونية، ويذكر ما هو فيه من الغربة، وما جرى عليه من الفراق والكربة، فيصدع بذلك القلوب ويفتت الأكباد، إلى أن مل المقام في تلك البلاد، فنفض منها ذيله وضم رجله وخيله، وقصد عمه، وركب الطريق وأمه، فأكرم عمه مثواه، ولم يذكر له أخبار ما أنشاه، وضم إليه حبيبته، ولم إلى خليل خليلته، وقرر قاعدة ذلك الإقليم وشيده، وولى فيه أولوغ بك ولده وقفل إلى خراسان، مستصحباً معه خليل سلطان، ثم ولاه ممالك الري، فلم يقم بها إلا أدنى شيء، وانتقل إلى رحمة الله، وكأن عمه دس له شيئاً فسقاه، فدفن بمدينة الري، وطوى نشر ذلك الحاتم أي طي، وحين وقعت شاد ملك في هذا الخطب الجليل، واشتعلت أحشاؤها بنار الخليل، قالت لا ذقت فقدك ولا عشت بعدك، وأنت ورنت، وأنشدت وغنت
كنت السواد لمقلتي ... فبكى عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
ثم أخذت خنجراً فوضعته في لبتها، واتكأت عليه بقوتها، فنفذ من قفاها، وأحرقت بنارها كل من رآها، فدفنا في قبر واحد، وأمسى لسان حالهما ينشد
أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وصفا لشاه رخ ممالك ما وراء النهر وخراسان، وخوارزم وجرجان، وعراق العجم ومازندران، وقندهار والهند وكرمان، وجميع بلاد العجم إلى حدود أذربيجان، وإلى يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة، ونسأل الله تعالى حسن العاقبة بمنه ولطفه والحمد لله رب العالمين، " وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم " " فصل " في صفات تيمور البديعة وما جبل عليه من سجية وطبيعة وكان تيمور طويل النجاد، رفيع العماد، ذا قامة شاهقة، كأنه من بقايا العمالقة، عظيم الجبهة والرأس، شديد القوة والبأس، عجيب الكون، أبيض اللون، مشروباً بحمرة، غير مشوب بسمرة، فخيم الأطراف، عريض الأكتاف، غليظ الأصابع، سميك الأكارع، مستكمل البنية، مسترسل اللحية، أشل، أعرج اليمناوين، عيناه كشمعتين غير زهراوين، جهير الصوت، لا يهاب الموت، قد ناهز الثمانين، وهو مع ذلك بجأش مكين، وبدن مستمسك متين، صلباً شهما، كأنه صخرة صما لا يحب المزاح والكذب، ولا يستميله اللهو واللعب، يعجبه الصدق، ولو كان فيه ما يسوءه، ولا يأسى على ما فات ولا يفرح بما يجيئه، وكان نقش خاتمه " راستي رستي " ، يعني صدقت نجوت، وميسم دوابه وسرة سكته على الدرهم والدينار ثلاث حلق هكذا لا يجري غالباً في مجلسه شيء من الكلام الفاحش ولا سفك دم، ولا من سبي ونهب وغارة وهتك حرم، مقداماً شجاعاً مهيباً مطاعا، يحب الشجعان والأبطال، ويستفتح بهم أقفال الأهوال، ويفترس بهم أسود الرجال، ويستهدم بهم وبصدماتهم قلل الجبال، ذا أفكار مصيبة، وفراسات عجيبة، وسعد فائق، وجد موافق، وعزم بالثبات ناطق، ولدى الخطوب صادق قلت
فكم قدحت آراؤه زند فتنة ... حمته لدى البأسا وأورت قبائلا
محجاجاً دراكا للمحة " واللمزة " ، مرتاضاً مستيقظاً للرمزة، لا يخفى عليه تلبيس ملبس، ولا يتمشى عليه تدليس مدلس، يفرق بين المحق والمبطل بفراسته، ويدرك الناصح والغاش بدربة درايته، يكاد يهدي بأفكاره النجم الثاقب، ويستتبع بآراء فراسته سهم كل كوكب صائب قلت
يشاهد أعقاب الأمور بعقله ... كما شاهد المحسوس بالعين ناظر
إذا أمر بأمر أو أشار بشيء لا يرد عنه، ولا يثنى عنان عزيمته عن شيء منه، لئلا ينسب إلى قلة الثبات، وركاكة الرأي والحركات قلت
إذا قال قولاً أو أشار إشارة ... ترى أمره في النص قاطعاً