في مراسلة خدايداد
ثم إن ألله داد استعمل فكره، ولكن أخطأت استه الحفرة، فطبخ قدراً فانقلبت عليه، ونسج كدود القز شبكة حتفه بيديه قلت
إذا انعكس الزمان على لبيب ... يحسن رأيه ما كان قبحا
يعاني كل أمر ليس يعني ... ويفسد ما رآه الناس صلحا
فلم يجدا لتبريد الأكباد، إلا مراسلة خدايداد، فجليا عليه صورة هذه البلية، وأخبراه بها عن وضوح وجلية، وأشار عليه بأن يتوجه بأمل فسيح، ويقصد بعساكره سمرقند وخاطره مستريح، فنهض من ساعته، وتوجه بجيشه وجماعته، ودب دبيب الدبى، فوصل إلى مكان يدعى أورتابا، فلما سمع بذلك خليل سلطان، أرسل إلى الجنود والأعوان، وتعجب من وقاحته، وتعوذ من كلاحته، وجهز ألله داد وأرغون شاه، مع العساكر الجرارة للملاقاة فسارا حتى دانياه، فقابلاه وما قاتلاه، ثم أرسلا إلى خليل سلطان، يستدعيان المدد ويقولان إن هذا الرجل بلغ من ملاحاته، وشدة دعارته وقلة مبالاته، أنه لم يتزعزع من مناخه، ولا دخل ريح هيبتنا من صماخه، فأمدهما بباقي العسكر، وجعل يتشوف لما يكون من الخبر، فأرسلا أيضاً أن هذا، قد آذى، وزاد فسادا، وجارى في عدوانه ثمودا وعادا، فأمدنا بنفسك، وأدركنا بحدسك وحسك، فإن هيبتك أقوى، وطلعتك أضوى، وما ارتكب هذه الجرأة، ولا أقدم على هذه الجيئة، إلا وقد أضمر شراً كبيراً، وطوى في باطنه قاراً وقيراً، فأدركنا بباقي المقاتلة، فإن هذه المرة تكون الفاصلة فخرج خليل سلطان بقلب مطمئن، وخاطر عن حلول الحوادث مستكن، وأمل فسح، وصدر منشرح، معجباً بشبابه، مغرماً بأصحابه، متمايلاً بين أحبابه، متهادياً بين أترابه، في شرذمة قليلة، وطائفة نبيلة، أبعد ما عنده نزول هم، وأشرد ما لديه حلول نكد وغم، يفديه الكمال، ويناديه لسان الجمال بقوله
ته دلالاً فأنت أهل لذاكا ... وتحكم فالحسن قد أعطاكا
فوصل بتلك العصابة السلطانية، إلى قصبة تسمى سلطانية، فأرسل ألله داد، إلى خدايداد أن الركاب السلطاني، خرج من سمرقند في اليوم الفلاني، وفي الساعة الفلانية، يحل كورة سلطانية
ذكر ما قصده خدايداد من الكيد
ووقوع خليل سلطان في قنص الصيد
فقصد خدايداد المخاتلة، وترك ثقله مقابل المقاتلة، ونبذ العساكر وراء ظهره، وتأبط شر شرارة، وهراوة هره، واستصحب من أبطال القتال، ورجال النضال والنزال، طائفة، جاسرة غير خائفة
رزان إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا
والتحف ذيل الليل، ولطأ بظهر الخيل، واستطرق إلى مطلوبه طريقاً عوجاً، واستقود إلى مقصوده قواد الدجى، كما قيل
لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامه والليل قواد
حتى وصل إلى سلطانية، وهي قصبة أنشأها تيمور، ولم يكن لأحد به شعور، فلم يفجأ خليل سلطان، إلا وقد جاءه موج البلاء من كل مكان، فنهض كل من معه من الأصحاب، وأخذوا في الحرب والطعن والضراب، وقاتلوا قتال الموت، وأيقنوا حلول الفوت، فعضت عليهم الحرب العضوض، وطرحتهم ما بين مهشوم وموقوذ ومرضوض، فقتل حقيرهم وجليلهم، ووقع في نار عدوهم حبيبهم وخليلهم، ثم رجع خدايداد إلى معسكره، فائزاً بنجحه مستبشراً بظفره " فصل " ثم إن خدايداد حلف لخليل سلطان، بأشد ما يكون وأبلغ من أنواع الأيمان أنه لا يقصده بأذى، ولا يرمي في عين معيشته بخيال قذى، ولا يؤذيه بقول ولا عمل، ولا يسلط عليه من يؤذيه بمكر ودخل، وسيرى نتيجة ما حلف، وأن الله تعالى عفا عما سلف " فصل " ثم التمس منه أن يرسل إلى ألله داد، فمن دونه من الأجناد، أن يستسلموا لخدايداد، وأرسل خدايداد أيضاً إلى الناس، بأني قد استوليت منكم على الراس، فإن أطعتموني أطعته، وإن لم تصلوني قطعته ولما وقع خليل سلطان بهذا الكرب، تصور أن هذا سهم غرب، ثم ظهر له مكان ذلك المكمن، وتحقق كيف أخذ من المأمن، وعلم من أين صب ذلك البلاء عليه، وأنى أخذ من ذلك الجانب الذي يأمن إليه، فقال بلسان الحال
جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف
فما سامنا خسفاً ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف