FluentPlex

The Wonders of Destiny

ذكر ما افتكره ألله داد، ودبره

Original text Public domain

Read with the dictionary

مع أن مملكته كانت أوسط الممالك، فلم يتطرق له أحد بسوء لذلك، وأنه كان حسن الجوار قليل الحركة، وأبوه قد حسم عنه بقتله ملوك العجم مادة " كل " شر وهلكه، فثبت في مكانه بين أسود شمخت ونبت، وكبت ماله من أعداء بما له من أصدقاء وثبت، فاهتزت أراضي دولته بنبات الثبات وربت، وكأن عيون السعد كانت تراقبه، وعرائس الملك تناجيه وتخاطبه، بقوله

نزه فؤادك عن سوانا والقنا ... فجنابنا حل لكل منزه

والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه

ذكر خروج الناس من الحصر

وطلبهم أوطانهم مما وراء النهر

وفي أثناء هذه الحالات، قصد الناس من سمرقند التبدد والشتات، وطلب كل غريب وطنه، وتحرك يبغي سكنه وقطنه، إما بإجازة واحتما، وإما بهزيمة واختفا، فأول من استجاز من أهل الشام ورام المسير شهاب الدين أحمد بن الشهيد وزير، ثم تفرقت الطوائف عجماً وعرباً وتبددوا في الآفاق شرقا وغربا، ووقع في سمرقند القحط وغلاء الأسعار، ولم يرخص بين الناس سوى الدرهم والدينار، ثم حصل بعد ذلك الرفاهية، واجتمع للناس الرخاء والأمنية، وطاب الزمان، وحصل الأمان، وذهب المقت، وصفا الوقت

وعند صفو الليالي يحدث الكدر

ذكر ما أثار الزمان الغدار

من دمار وبوار، ألقى به الخليل في النار

وكان خليل سلطان، تزوج بشاد ملك زوج سيف الدين الأمير، وملكه سلطان هواها فكان فيه كالأسير، فمال بكل جوانحه إليها، بحيث أنه قصر نظره عليها، وصارت محبته كل يوم تزداد، وأنست قصته قضية قيس وليلى وشيرين وفرهاد، فكان كما قيل

أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان

وألثم فاهاكي تزول صبابتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان

كأن فؤادي ليس يهدا الذي به ... إلى أن يرى الروحين يجتمعان

واستمر ذلك إلى أن ران هواها على قلبه، وأخذ بمجامع لبه، وربط جوارحه، وحل جوانحه، وفصل قميصاً واسعاً فكانا يلبسانه، واتحدا فصار ينطق بلسانها وتنطق بلسانه، وصارا ينشدان، وإلى حالهما يرشدان

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا

بل كانت القضية بالعكس قلت

إنما كان بروح نفخت ... مذ براها ربها في بدنين

فكان لا يصدر أمراً إلا عن رأيها، ولا يستضيء في سياسة الملك إلا بآرائها فسلمها قياده، واتبع مرادها مراده وهذا من غاية البله والعته، وكيف يفلح من ملك قياده امرأة وكان لها خادم قديم، ليس من بني الأحرار ولا بكريم، بل كان من أطراف الناس، يبيع في أول أمره البز والكرباس، يدعى بابا ترمش، بطرف معمش، ووجه منمش، وصورة قبيحة، وسيرة غير مليحة، وكان يتقاضى حوائجها ويدخل عليها، قبل وصول خليل سلطان إليها فلما وصلت مخدومته إلى ما وصلت، وحصلت لها المرتبة التي لغيرها ما حصلت، ارتفعت درجت خدمها، وزادت حشمة حشمها، فاستفاد بابا ترمش من إضافة إليها التعظيم، وبحسب كرامة المخدوم يحصل للخادم التكريم، فصار يرأس جماعتها ويسوسهم، وبمجالستها تحلى بخلعة " هم القوم لا يشقى جليسهم " ثم ترقى حتى صار عليه مدار أمرها، ثم تخطت قدمه إلى التكلم في أسباب الملك وغيرها، ثم تدرج إلى فصل المحاكمات الديوانية، وإجراء القضايا السلطانية، ثم ترفع إلى التولية والعزل، وتعاطي ذلك على سبيل الجد لا الهزل، وانتهى في ذلك، فصار دستور الممالك، ولم يقدر أحد على رد كلمته، لحدة شوكته بقوة مخدومته، فبسط يده ولسانه كما اختار، وامتثل كل أحد ما أمر به وأشار، واستطال على ألله داد وأرغون شاه، فصار يبرم ما ينقضانه وينقض ما أبرماه، وبلغ في قلة الأدب إلى أن كان يمد رجله بحضرتهما، ولا يقوم بذرة من واجب حرمتهما، ثم حجر أن لا تفصل قضية إلا بمشورته، وإن كان غائباً فينتظر حضوره أو يتوجه إلى حضرته ومن حين نبغ، إلى أن بلغ ما بلغ، كان نحواً من ثلاث سنين، وعفاريت الجغتاي وجهنم لابثون " معه " في العذاب المهين، فحصل لألله داد وأرغون شاه من هذا التدرج، غاية التضرر ونهاية التحرج، وبلغا الغية في الإهانة والنكاية، وأعضل داؤهما، وأعجز دواؤهما، واستلذا ذهاب العيش وزواله، على البقاء في هذه الحالة

ذكر ما افتكره ألله داد، ودبره

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account