ثم في شهر صفر سنة عشر وثمانمائة، أرسل خليل سلطان من الجنود فئة، وأضافهم إلى ألله داد، وضم إليهم من رءوس الأجناد إلياس خواجه وابن قماري منصور، وتوكل قرقرا ودولت تيمور، إلى ترمذ مع آخرين، ليعمروها فاستمروا سائرين، حتى وصلوا إلى ترمذ، فجمعوا في الحال احتياجاتهم من الأحجار والأخشاب والقرمد، ثم تقاسمت تلك الرءوس أبدانها، وعلوا عن أن يتسوروا قلة أسوارها وحيطانها، وجعلوا يعملون ولا يلبثون، ويبنون بكل ريع منها آية يعبثون، وتركوا بالنهار أكلاً وبالليل نوماً، فأتموا بنيانها في نحو خمسة عشر يوماً، وحين ميزوا محلاتها وفرزوا دروبها وطرقاتها، ورفعوا أعلام مساجدها ومناراتها وبينوا مواضع أسواقها وأبياتها، أمروا الباقين من ذرية النازحين عنها من أهلها، وكل من رحل من خراب وعرها إلى عمران سهلها، أن يرجعوا إليها، ويخيموا عليها، وكان أولئك المساكين، قد استوطنوا منها البساتين، وبنوا فيها أسواقهم وبيوتهم، وجمعوا فيها أسباب معايشهم وقوتهم، واستمر ذلك من وقت جنكيز خان، إلى وقت تيمور كوركان، فكانوا في وطنهم آمنين، وعن حركات الانزعاج والتقلقل ساكنين فلم مات تيمور، وحدث شرور وأمور، أراد خليل سلطان أن يصونهم، فأرسل من شيد حصونهم، وكانت الجديدة عن العتيقة نحواً من فرسخ، فصارت العتيقة أحصن من الجديدة وأرسخ، لا سيما وقد علا البانون منارها، ونهر جيحون يصافح أقدام طود حمل أسوارها، بخلاف الجديدة، فإن قصور مساكنها غير مشيدة، وهي عن النهر بعيدة فلما نادوا الناس أن ادخلوا إلى دار قراركم، فكأنهم كتبوا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم، فلم يثقل الله داد عليهم، ولا كرب في ذلك ولا التفت إليهم، ولم يظهر في ذلك عنادا، ولكنه حشر فنادى، أن كل من سبقت يده من أهل البلد، إلى شيء من هذه الأماكن والعمائر الجدد فهو له من غير منازع، ولا ممانع ولا مدافع ثم أمر بانتقال الخبازين والقصابين، والطباخين والسمانين، وميز لهم منزلهم ومأواهم، ولم يتعرض لمن سواهم، فجعلوا يبيعون على العساكر ويشترون، ويربحون في ذلك ولا يخسرون، فاختل نظام سائر الجمع، إذ الإنسان مدني بالطبع،فألجأهم الاضطرار، أن يتبعوهم بالاختيار، فتفقد ما يليق به من أحوال كل من كبيرهم وصغيرهم، وقرر على ما اقتضته أوامره قواعد أمورهم، ثم جمع رءوس جنده، وقفل إلى سمرقنده
ذكر ما فعله شاه رخ من جهة خراسان
في مقابلة ما فعله خليل سلطان
ولما سمع شاه رخ بما فعله خليل سلطان، جهز طائفة من عساكر خراسان، وجعل يمد ذلك السحاب المنجاب، من بحر أمر أمير يدعى مرزاب، وهو أخو جهان شاه، الذي كان تيمور على محاصرة قلعة دمشق ولاه، وأمر رءوس تلك الجنود، أن يبنوا قلعة تسمى حصن الهنود، وهي من أقصى بلاد خراسان، يفصل بينها وبين ترمذ نهر جيحان، ففعلت من البناء العساكر الخراسانية، نحو ما أعربت عنه العساكر الخليلية السلطانية، وفي أثناء مدة البناء، تراسل الله داد ومرزاب وتصافيا، وتواصلا بالاحتشام والاحترام وتهاديا
إشارة إلى ما حدث في أقاليم إيران
وما جرى من سيول الدماء عند نضوب ذلك الطوفان
ثم إن السلطان أحمد وقرا يوسف رجعا إلى العراق، ووقع بينهما على سياسة الملك الاتفاق، واستقر السلطان أحمد في بغداد، ووثب قرا يوسف على الجغتاي بالعناد، ليستخلص منهم " ما استولوا عليه من " بلاد، وكتب الفتح على راياته آيات نصر من الله، فاستخلص ممالك أذربيجان بعد أن أباد طوائفهم وقتل أميران شاه ومد عنان الكلام، في استيفاء هذا المقام، يخرجنا عما نحن بصدده من المرام " إلى أن وقع بينهما الشقاق، وتخبطت أذربيجان والعراق، ثم قتل قرا يوسف السلطان أحمد بإشارة بسطام، وذلك في شهور سنة ثلاث عشرة وثمانمائة من هجرة النبي عليه السلام " وأما عراق العجم، فإنها كانت أحصن أجم، فاستقل بدعوى الملك متوليها بير عمر، فنهض عليه ذو قرابة له يدعى اسكندر، فقابله وكسره، ثم قبض عليه وهصره، واستقل بدعواه، فتوجه إلى شاه رخ صاحب هراة، فقبض عليه وأباده، وفجع به أهله وأولاده، واستصفى بلاده، فخلصت لشاه رخ ممالك العجم كلها، وانثال إلى خزائنه من أموالها وابلها وطلها، من غير أن يعاني في ذلك نصبا، أو يقاسي في تحصيله تعباً ووصبا