فخرجوا تحت جنح الليل وشمروا نحو عرائس العراق الذيل، وطلقوا مخدرات ما وراء النهر ومالوا عنها كل الميل، لأنهم كانوا قد سمعوا أن دار العراق أنزلت بانيها، ومياه أنهر سلطتها عادت إلى مجاريها، فلم يقف أحد أمامهم ولا مشى خلفهم، ولا قدر على أن يربط عن السير رجلهم وكفهم، فقطعوا جيحون ووصلوا إلى خراسان، فتصدى لهم كل من سمع بهم من كل مكان، فانفرط نظامهم لعدم اتفاقهم، فتقطعوا في البلاد قبل وصولهم إلى عراقهم، وأين إيران من توران، ودجلة من جيحان، فعيد خليل سلطان في ذلك المكان، ثم ألوى راجعاً إلى الأوطان
ذكر ما فعله بير محمد بعد انكساره
وما صنعه بعد وصوله إلى قندهاره
ولما وصل بير محمد إلى قندهار، واستقرت به الدار، وتلملمت أموره، وحامت حول قصوره صقوره، ودارت من سيارات عسكره بدوره بدوره، تسعرت سمومه وحروره، وتطاير شراره وشروره، فتأرق وتمرق، وتحرق أسفاً قلبه وتخرق، وتمزق غيظاً أديمه وتفرق، وكان ذا حماقة، وقلة لباقة، فطير أجنحة مراسيمه، إلى سكان أقاليمه، واستنهض على خليل سلطان كل حبيب صحيح الود وكليمه، واستطب لجريح قلبه كل قريح الطعن والضرب وكل لديغ القلب وسليمه فلبوا دعوته بالإطاعة، وأجابوا ندائده بالسمع والطاعة، ثم سالت الأودية والجبال، بالخيل والرجال، وأرسل إلى خليل يقول، ضمن كتاب مع رسول إن أول مصافنا كان فلتة فتمت، وشرارة تسوهل في إطفائها فالتهبت وطمعت، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، وتحذرت ما استحقرت، واستكبرت ما استصغرت، لانتصرت وما انكسرت، ولعثرت على مرادي وما عثرت، ولكن أضعت الحزامة، فحرمت السلامة، وتناولت أمرك برءوس الأنامل فأكلت يدي ندامة، مع أن صليبه جندك، وقوة ظهرك وعضدك، ونبال نبالتك وساعد سعدك، وعضب غضبك، ورمح رشدك، وحد صارمك، وصرامة حدك، إنما كان رءوس العراق، وما حصل لك منهم من الاتفاق، وأما الآن فقد وقع منهم نفاق، واتفق لك منهم عدم اتفاق، وظهر تباعد وشقاق، ففت لذلك كبدك، واختل فكرك وجندك، وهأنا قد جئتك بجد جديد، وبالحد الحديد، فاستعد للقاء، وتيقن عدم البقاء، فإن الحرب كما علمت سجال، وكما أديل لك علينا بالأمس فإن غداً لنا عليك يدال
ذكر توجه بير محمد لمقابلة خليل
سلطان ثاني كرة، وما حصل عليه في ذلك من كرة وفرة، وتوليته الدبر كما بدا أول مرة
ثم توجه بتلك الجنود والأعوان، وقطع جيحون ووصل إلى مكان يسمى حصار شادمان، فتوجه إليه خليل سلطان، ومعه من عساكر الرجال والفرسان، وجراد الجيش وقمله وضفادعه ما يجري من الدم الطوفان، فمر بتلك الأطواد والبحار، وسرى وهو ما بين رأس وسار، حتى وافى جنود قندهار، وكان كما ذكر من قبل، قد قدح في حراق أحشاء العساكر القندهارية من خوف نار الخليل زناد النبل، فكانوا ملسوعين والملسوع يخاف من جر الحبل، فقبل أن يزعق النفير ويضرب الطبل، نفر من كل فرقة منهم طائفة، وتنادوا " أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة " فألبس بير محمد خلعة الخلع، ولم يكن له بها طوق فأقلع إلى القلعة القلع، وأوصد الأبواب وأحكم الأسوار، واستعد في حصار شادمان للحصار، فأحاط به من العساكر كل جارح وكاسر، ودار عليه من بني يافث كل سام وحام، وجد في المحاصرة منهم كل طاعن وضارب ورام، فتندم بير محمد على ما قصد في ذلك وتعمد، وتذكر ما قال له أول مرة، الخواجه عبد الأول، ولكنه اعتذر بالقضاء والقدر، فرماه القضاء بسهم جواب، أجاد فيه وأصاب، وقال
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدر
فانعكس منه كل رأي وفال، وتغير عليه كل أمر وحال، وذهب عنه منعطفاً ما بيده من ملك ومال، ونفر عنه كل أسد أصلى للحرب ناراً حامية لما سطا على " كل " حام وصال، ورجع عنه لسوء تدبيره كل ذي قرابة حين لمع له بالأماني الكاذبة كل سراب وآل، وتمزقت شقق تدبيره على منوال تفكيره سدى ولحمه فلم يبق له من دون الله وال
ذكر ما صنعه بير محمد من حيلة
عادت عليه بأفكاره الوبيلة، لأن جدواها كانت قليلة