وكان قبل ذلك خليل سلطان، قد نجز أمره كما كان، ونفث أعطار مندل الإيثار، وقوى العزائم على الملوك بالاستحضار، ليجنوا من أشجار الجرايات وثمار الادرار، ما يستعدون به لملاقاة شياطين قندهار، فلبى دعوته العام والخاص، وكل بناء من عفاريت الجنود وغواصواجتمع من أعيان أولئك الأعوان، كل مطيع مقتطف ثمر إحسان ذلك البستان من إنس وجان، وجاء ذلك البحر أفواج أمواج العساكر من كل مكان، وهم بين رؤس الجغتاي والجتا، كل فرعون من بلاد تركستان قد علا وعتا وفوارس فارس والعراق ورستمدار، وجان قربانية خراسان والهنود والتتار، ومن كان تيمور، أعده لمضايق الأمور، ولم يفارقه في سفر ولا حضر، وأرصده لكل نائبة من خير وشر
فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون
فاستأنف عليهم فواتح الفتوح، واستنخب منهم لما دهاه كل صديق نصوح، وأسبغ عليهم من دروع عطاياه السابغات، وضاعف على قامة أملهم من خلع أنعامه المضاعفات، ففتحت عليهم الأرض خزائنها، وصبت عليهم من معادنها، وفلزاتها ظاهرها وكامنها، فصار كل راجل منهم وفارس، وقد تجلى فيما تحلى به من تلك النفائس، يزري بحسن هيبته على مخدرات العرائس فساروا ونسمات النصر من أنفسهم فائحة، ولمعات الفتح من بوارق بيارقهم لائحة، والسبع المثاني لأبواب النجح والفتوح في وجوههم فاتحة، ولا زال ذلك الراسي يرسي ويمشي، حتى حط على ضواحي قرشي، هي المدينة المذكورة، فاستقرت تلك العساكر المنصورة، وذلك يوم الأحد مستهل شهر رمضان، سنة ثمانمائة وثمان، فبات كل من ذينك البحرين وقد ضم ذيله، وكف عن التبذر والتبدد سيله، وحفظ من الأغيار رحله وخيله، وأحيا في معتكف المراقبة إلى الصباح ليله قلت
إلى أن بدا لمع الضيا في ظلامه ... يلوح كموج الماء من سجف طحلب
ولما سل الفجر صارمه الفضي وأبرز إبريز ترسه، ومسح على لوح الجو ما طرسه مسود الليل من دخان نقشه، تهيأ كل من أولئك الأطواد للإصطدام، واشتعلت في قلوب تلك القبائل نار الحمية للاصطلاء والاصطدام، فعبى كل عسكره، ما بين ميمنة وميسرة، ومقدمة ومؤخرة، ثم تدانوا وتكانوا، وتعاونوا وتعانوا وتراجزوا وتغانوا، وتعانقوا وتهانوا، وتناجزوا، وتفانوا، والتقت الرجال بالرجال والخيل بالخيل، وارتفع ظلام القتام على رؤس الأسنة فرأوا في صلاة الظهر نجوم الليل، وجرى في ذلك القسطل من كل قناة عيون السيل ثم عند منتصف النهار، انكشف الغبار، عن طود قندهار هار، وسعد أولئك الكبار بار، وعليهم غبار العثار ثار، وخبرهم بالإنكسار سار، وصيت خليل سلطان إلى الأقطار طار، وإلى الآفاق بالانتصار صار، فولى بير محمد وعلى رأسه بحر الدمار مار، وفي قلبه زناد البوار وار، حتى كأن في قلبه جمر الغضا والغار غار، أو في كبده نار لهيب المرخ والعفار فار، وجندلت رجاله، وأبطلت أبطاله، ونهبت أثقاله، وتحولت أحواله، وسبى حريمه عبيده وسلب طريفه وتليده، وتشبث هو بأذيال الهزيمة، وعلم أن إيابه سالماً نصف الغنيمة، كما قيل
إيابك سالماً نصف الغنيمة ... وكل الغنم في النفس السليمة
ورجع خليل سلطان، وقد استنار به الكون والمكان، واستقرت دولته، واستطارت صولته، وشكر الله المليك، وأتم صيام رمضان في مكان يسمى جكدليك
ذكر خروج عسكر العراق على خليل سلطان
ومجاهرتهم بالخروج وقصدهم الأوطان
ثم في ليلة غرة شوال، خرج من العراقيين الرءوس والأبطال، ومعهم حريمهم وأتباعهم، وأولادهم، وأشياعهم، وكبيرهم شخص يدعى حاجي باشا، وهم جارون تحت أمره كيفما شا، وكانوا ذوي صولة وجولة، وصحبتهم السلطان علاء الدولة، ابن السلطان أحمد البغدادي لصلبه، وكان قد وقع في أسر تيمور فرهنه في سجن محنته وكربه فأفرج عنه خليل سلطان، وجعله عنده ذا مكانة ومكان، فبينا الناس مشغولون بأمور العيد، رفع أيديهم أولئك الصناديد، وكأنه كان تقدم لهم بذلك مواعيد