ثم إنه أحضر الأمراء، وهم في قبضة سطوته أسراء، وقد ناوح كل من متعلقيهم مهب ناحية، وتوجه إلى دار كل المخبرون فقامت عليهم النائحة والناعية، وأوثقهم بقيدي الحديد والأيمان، أن يكونوا معه في السراء والضراء على خليل سلطان، فمد كل منهم إلى القيد رجله وإلى اليمين يده، وعاهده على ما يختار وأن يقدم له نفسه وأهله وماله وولده، فحين استوثق منهم، أزاح بالأماني السوء عنهم، وتركهم موثقين في البند، ونكص قاصداً سمرقند، وأرسل إلى خليل سلطان يخبره بما دب من أمره ودرج، فليستعد لمبارزته فهاهو قد عبر جيحون وخرج، وأنه هو أيضاً طالب من ملك خاله حصته ومنازع خليل سلطان في السرير منصته
تبريز خليل من سمرقنده لملاقاة سلطان
حسين بطوائف جنده، ورجوع سلطان حسين مما يرومه بخفي حنين
فاستعد له خليل سلطان، وخرج من سمرقند لاستقباله في أسرع زمان، ثم إن السلطان حسين أحضر ألله داد، ومن معه من الشياطين المقرنين في الأصفاد، واستأنف عليهم العهود، وأكد عليهم قيود العقود، وأحل كلا من محله، وأجاز عقده وحله، وخلع عليه وأجازه، واحترم حرم حقيقته ومجازه، وبش بأنعامه إلى متعلقيهم وهش، وسار بهم حتى وصل إلى مدينة الكش وألله داد كان، قبل ذلك بزمان، أرسل إلى خليل سلطان، يخبره بوقوع هذا الهم، وما جرى عليهم من شرور وما تم، ثم قال له إن فألك سعيد، وأمرك حميد، فانهض برأي رشيد، وعزم سديد، وجنان حديد، فإن ضدك مصيد، والله تعالى ناصرك قريباً غير بعيد، فلا تخف " من كيد مكيد " ، وإن كنت طفلاً فإنك فتى شبت القلوب بنسمات محبتك فصرت شيخ السلطنة وكل الأنام لك مريد فوصل خليل سلطان، إلى ذلك المكان، فعبى السلطان حسين جيشه، واستعمل تهوره وطيشه، وجعل ألله داد على الميمنة، ورفيقيه على الميسرة، ولما تراءى الجمعان، وتدانى الزحفان، وحقت الحقائق، وسدت المضايق، وتعادت الأسود والفرانق، بادر كل منهم من مكانه، وقصد كل من ألله داد وأقرانه، عساكر خليل سلطانه، فتخبطت عساكر السلطان حسين، وسلب ثوب عزه فنبذ بالعراء متلحفاً من ظنونه ثوبي خيبة ومين ودهمه من البلاء ما أنساه سلبه فرجع بخفي حنين، ومر على وجهه قاطع الفلاة، حتى وصل ابن خاله شاه رخ صاحب هراة، فلم تطل له عنده مدة، فإما سقاه مهلكاً وإما مات حتف أنفه عنده، فكان ذلك آخر العهد بسلطان حسين، ورجع خليل سلطان إلى دار ملكه قرير العين
بقية ما جرى لبير محمد مما قصده
من فرح وهم وكيف آل ذلك إلى وبال وحزن فنقص وما تم
ثم إن بير محمد تمادى في خروجه، واستمر يرتع في روض الطلب ومروجه، وتكررت بينهما دروس المراسلة، وتحررت مسائلهما بعد مطاولة المقاولة، أن ينزلوا منازل المنازلة، ويحلوا بروح المقابلة والمقاتلة، وكان متولي أمور ديوانه، ومشيد قواعد ملكه وسلطانه، شخصاً يدعى بير علي تاز، حامي حقيقة بابا الملك وحارس المجاز، سرة بطحاء مملكته، وقطب سماء دائرته، وقدوة علماء عوالمه، وقوة خوافي عسكره وقوادمه فجرد من عساكر قندهار، كل طود لو مال على الفند هار وتوجه بعزم أمضى من البتار، وحزم أنفذ من الخطار، قائداً ذلك الخضم الهدار والسيل الثرثار، والغمام المدرار، حتى وصل إلى جيحون فوقف منه التيار، ثم أمر البحر العجاج، أن يركب من جيحون الأثباج، ويصادم منه ملاطم الأمواج، فمرج الله البحرين " هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج " فمخروا منه بسفنهم النحر، وجاوزوه مجاوزة بني إسرائيل البحر، وسار بذلك الأخشب، حتى أرسى على ضواحي نخشب
ذكر مقابلة العساكر الخليلية
جنود قندهار بصدق نية، وإلقائهم بهزيمتهم إياهم في شر بلية