ولما عدم حوله، أخذ في إعمال الحيلة، فاستدعى عدة مضبوطة، من الجلود المحطوطة المجادة الدباغ، المصبوغة بألوان الأصباغ، ثم فصلها لبوسا، لكل بوسى، وسمر عليها المرايا المصقولة، وبعض صفاح معمولة، وموهها وأحكمها بالمسامير، وأحضر من سوقة بلده رءوس الجماهير، واستكثر الرعاع والهمج الجموع، ثم أحضر تلك الدلاص والدروع، ووزع على تلك الرءوس والظهور هاتيك النطوع، فصار كلما صارت الشمس بازغة، أصعد إلى الأسوار، وخارج البلد تلك الأسود وعليهم تلك الدروع السابغة فإذا رآهم الناظر من بعيد، توهمهم رجالاً ولم يعلم أنهم بندق العيد، وإذا تراءى ذلك الهباء، والخيثعور الذي ملأ الفضاء، كان " كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء " واستمر على ذلك مدة يقاسي المعاناة ويعاني الشدة، وكان الذي " تعاطى " هذا المكر الجلي، دستور مملكته أعني بير علي، ومع ذلك كله لم تنفعه هذه الحيلة، وعادت عليه أفكاره الوخيمة، ووساوسه الوبيلة، وانكشف سره، وانهتك ستره، فضاق ذرعاً وقصر منه باع المجال، ومد بنقص عدده وعدده وزاده الدهرالنكال
ذكر اعتراف بير محمد أنه ظلم
وطلبه الصلح وإلقائه السلم
فبسط بساط التضرع، وطلب وسائط التشفع، وعلم أنه لا عاصم من أمر الله إلا من رحم، فناشد خليل سلطان الله والرحم، وقال معنى ما قلت
يعطي الكريم ولا يمل من العطا ... والعفو شيمته إذا وقع الخطا
فأجاب خليل سلطان مقاصده، وتأكدت من الطرفين معاقدة المعاهدة، بأن لا يقصد أحد منهم بلاد صاحبه، وإذا كان الله تعالى رفعه فلا يضع من جانبه، ويسلم إليه ما في يده، ويبقى على الود والصداقة في يومه وغده، ثم تحالفا أن لا يتخالفا، وتواثقا أن يتوافقا، وتصادقا أن يتصادقا، وتفارقا على أن يترافقا، وتوافقا على أن لا يتنافقا، وراقبا الآل والذمة، وراعيا القرابة والحرمة، وانشمر كل عن صاحبه بما معه من فئة وذلك سنة تسع وثمانمائة
ذكر مخالفة ونكد، وقعت بين بير علي وبير محمد
أزاحت ثوب الحياة عنهما، وأراحت مخاليفهما منهما
ولما وصل بير محمد إلى وطنه، واستقر بين خدمه وسكنه، خرج عليه بير علي تاز، واستقل بدعوى الملك وامتاز، ثم قبض عليه وكبله، ثم إنه خذله وجدله، وشرع يقول، وهو يصول ويجول أمور الدنيا اضطربت، وأشراط الساعة اقتربت، وهذه دولة الدجالين، وأوان تغلب الكذابين والمحتالين، مضى تيمور وهو الدجال الأعرج، وهذا زمان الدجال الأقرع، وسيأتي بعد هذا الدجال الأعور وإن كان أحد يجزع من قرع باب السلطنة فأنا أقرع، فلم يجب أحد من الرءوس والأذناب سؤاله، ولا أنعم له بما أقر عينه وأنعم باله، إذ لم يوجد في تناول هذا الأمر المحظور أمر مبيح، ولم يكن لذلك الوغد في سهام الملك غير المنيح والسفيح، فدعا أرباب ممالكها تضرعاً وخيفة، فكشر كل في وجهه أنيابه وجاذبه هذه الجيفة، فلم يبق له قرار ولا ثبات، فسل يده ومد رجله صوب صاحب هراة، فبمجرد وقوعه عنده في شرك الاقتناص، قبض عليه وأجرى عليه أحكام القصاص، وصفت له ممالك قندهار، من غير مضارب ولا مضار، واستراح خليل سلطان أيضاً من الأنكاد والمضار
ذكر حوادث الزمان في غيبة خليل سلطان
وفي هذه السنة بادرت بالهجوم، تتار الروم، وواصلوا العزم، وقطعوا جيحون بالرجل وههو جمد من خوارزم، وقصدوا بلادهم، فتصدى لهم من كل جانب من شتتهم وأبادهم، وحصل لهم من عدم الاتفاق، ما حصل لعساكر العراق، وأيضاً في غيبة السلطان خليل، واشتغاله بهذا السفر الطويل، اغتنم الفرصة خدايداد وشيخ نور الدين، فتوجهوا إلى سمرقند مطمئنين، وأخنوا عليها، ونهبوا ما حواليها، فتحصنت منهم، وترفعت عنهم، فنهبوا خارجها ورجعوا، ونحو بلادهم انقلعوا
ذكر تجريد خليل سلطان الأجناد
وتوجهه إلى شيخ نور الدين وخدايداد