ومثل هذا أيضاً، أي مما حصل من طريق المصادفة والاتفاق، أنه كان بافلوللن من سليلة اسقليبيوس ورم حار في ذراعه، مؤلم ألماً شديداً، فلما أشفى منه ارتاحت نفسه إلى الخروج إلى شاطئ نهر كان عليه النبات المسمي حي العالم، وأنه وضعها عليه تبرداً به فخف بذلك ألمه، فاستطال وضع يده عليه، وأصبح من غد فعمل مثل ذلك فبرأ برءاً تاماً، فلما رأى الناس سرعة برئه علموا أنه إنما كان بهذا الدواء وهو على ما قيل أول ما عرف من الأدوية، وأشباه هذه الأمثلة التي قد ذكرنا كثيرة،
القسم الرابع
أن يكون قد حصل شيء منها أيضاً بما شاهده الناس
من الحيوانات واقتدى بأفعالها وتشبه بها
وذلك مثل ما ذكره الرازي في كتاب (الخواص) أن الخطاف إذا وقع بفراخه اليرقان، مضى فجاء بحجر اليرقان، وهو حجر أبيض صغير يعرفه، فجعله في عشه فيبرأوا، وأن الإنسان إذا أراد ذلك الحجر طلى فراخه بالزعفران، فيظن أنه قد أصابهم اليرقان، فيمضي فيجيء به فيؤخذ ذلك الحجر ويعلق على من به اليرقان، فينتفع به، وكذلك أيضاً شأن العقاب الأنثى، أنه إذا تعسر عليها بيضها وخروجه، وصعب حتى تبلغ الموت، ورأى ذكرها ذلك طار وأحضر حجراً يعرف بالقلقل، لأنه إذا حرك تقلقل في داخله، فإذا كسر لم يوجد فيه شيء، وكل قطعة منه إذا حركت تقلقلت مثل صحيحه، وأكثر الناس تعرفه بحجر العقاب، ويضعه فيسهل على الأنثى بيضها، والناس يستعملونه في عسر الولادة على ما استنبطوه من العقاب، ومثل ذلك أيضاً أن الحيات إذا أظلمت أعينهن لكمونهن في الشتاء في ظلمة بطن الأرض، وخرجن من مكامنهن في وقت ما يدفأ الوقت طلبن نبات الرازيانج، وأمررن عيونهن عليه فيصلح ما بها، فلما رأى الناس ذلك وجربوه، وجدوا من خاصيته إذهاب ظلمة البصر إذا اكتحل بمائه، وذكر جالينوس في كتابه في الحقن عن أرودوطس، إن طائراً يدعي أيبس هو الذي دل على علم الحقن، وزعم أن هذا الطير كثير الاغتذاء لا يترك شيئاً من اللحوم إلا أكله، فيحتبس بطنه لاجتماع الأخلاط الرديئة وكثرتها فيه، فإذا اشتد ذلك عليه توجه إلى البحر، فأخذ بمنقاره من ماء البحر ثم أدخله في دبره، فيخرج بذلك الماء الأخلاط المحتقنة في بطنه، ثم يعود إلى طعامه الذي عادته الاغتذاء به،
القسم الخامس
أن يكون حصل شيء منها أيضاً بطريق الإلهام
كما هو لكثير من الحيوانات، فإنه يقال أن البازي إذا اشتكى جوفه عمد إلى طائر معروف يسميه اليونانيون ذريفوس، فيصيده ويأكل من كبده فيسكن وجعه على الحال، وكما تشاهد عليه أيضاً السنانير، فإنها في أوقات الربيع تأكل الحشيش، فإن عدمت الحشيش عدلت إلى خوص المكانس فتأكله، ومعلوم أن ذلك ليس مما كانت تغتذي به أولاً، وإنما دعاها إلى ذلك الإلهام لفعل ما جعله اللَّه تعالى سبباً لصحة أبدانها، ولا تزال كذلك إلى أن تحس بالصحة المأنوس إليها بالطبع، فتكف عن أكله، وكذلك أيضاً متى نالها أذى من بعض الحيوانات المؤذية ذات السموم وأكلت شيئاً منها فإنها تقصد إلى السيرج وإلى مواضع الزيت فتنال منه، ذلك يسكن عنها سورة ما تجده، ويحكى أن الدواب إذا أكلت الدفلي في ربيعها أضر ذلك بها، فتسارع إلى حشيشة هي بادزهرللدفلى فترتعيها، ويكون بها برؤها، ومما يحقق ذلك حالة جرت من قريب، وهي أن بهاء الدين بن نفادة الكاتب حكى أنه لما كان متوجهاً إلى الكرك كان في طريقه بالطليل وهي منزلة كثيرة نبات الدفلى، فنزل هو وآخر في مكان منها وإلى جانبهم هذا النبات، فربط الغلمان دوابهم هنالك؛ وجعلت الدواب ترعى ما يقرب منها وأكلت من الدفلى، فأمّا دوابّه فإن غلمانه غفلوا عنها فسابت ورعت من مواضع متفرقة، وأما دواب الآخر فإنها بقيت في موضعها لم تقدر على التنقل منه، ولما أصبحوا وجدت دوابه في عافية ودواب الآخرين قد ماتت بأسرها في ذلك الموضع، وحكى ديسقوريدس في كتابه أن المعزى البرية بإقريطش إذا رميت بالنبل وبقيت في أبدانها فإنها ترعى النبات الذي يقال له المشكطرامشير، وهو نوع من الفوتنج فيتساقط عنها ما رميت به، ولم يضرها شيء منه