ووجه الغلط في هذه الجملة يتبين من جهتين إحداهما من تاريخ المسيح والأخرى من تاريخ جالينوس، وقد ذكرناهما، فيما تقدم، ذكراً شافياً فمن أحب امتحان ذلك فليرجع إليه فإنه يتبين له من التفصيل المذكور، فإن للمسيح منذ ولد ألف سنة وثماني عشرة سنة، وجالينوس تسعمائة وثلاث عشرة سنة، وهذا خلف عظيم وغلط بيِّن.
قال وأنا أستطرف كيف مر مثل هذا مع بيان المواضع التي استدللنا بها من كلام جالينوس، ومن أوضاع أصحاب التواريخ الصحيحة، واستطرف أيضاً كيف لم ينتبه إلى فصل ورد في كتاب الأخلاق تبين فيه غلط تاريخ هذه المدة فصارت المائة سنة، وقد يكون سبب هذا الغلط من النساخ ويستمر حتى تحصل حجة يضل بها من لم يفحص عن حقائق الأمور، وهذه نسخة الفصل من كتاب الأخلاق بعينه قال جالينوس.
وقد رأينا نحن في هذا الزمان عبيداً فعلوا هذا الفعل دون الأحرار لأنهم كانوا في طبائعهم أخياراً، وذلك، أنه لما مات فرونيموس، وكان موته في السنة التاسعة من ملك قومودس وفي سنة خمسمائة وست عشرة من ملك الاسكندر، وكان الوزيران في ذلك الوقت ماطروس وإيروس تتبع قوم كثير عددهم، وعدت عبيدهم ليفشوا على مواليهم ما فعلوا، وهذا خلف عظيم لا سيما لما ذكره إسحاق، لأنه يحصل بينه اختلاف عظيم إلى وفاة جالينوس يقتضي بأن تكون على ما ذكره إسحاق من أن عمره كان سبعا وثمانين سنة في هذه السنة المذكورة وهي سنة خمسمائة وست عشرة للاسكندر، ويقتضي أن يكون هذا الكتاب آخر ما عمله أعني كتاب الأخلاق لأنه وقت وفاته يجب أن يكون الوقت الذي ذكر فيه أمر العبيد والتاريخ، وقد رأيناه ذكره في كتاب آخر يدل على أنه قد عمل بعده، وأنه عاش بعد هذا الوقت زمان ما يجوز السنة المذكورة عدته، فقد بان تناقض تاريخه وفساد جملته، ولو فرضنا الأمر على ما ذكره لم يجب له أن يغفل مثل هذا التاريخ البيين الجلي، ويثبت جملة ما تحصل ولا يصح، وما يشهد بأن المسيح كان قبل جالينوس بمدة من الزمان، ما ذكره جالينوس بمدة من الزمان، ما ذكره جالينوس في تفسير كتاب أفلاطون في السياسة المدنية وهذا نص قوله،قال جالينوس من ذلك قد نرى القوم الذين يدعون نصارى أنما أخذوا إيمانهم عن الرموز والمعجزة، وقد تظهر منهم أفعال المتفلسفين أيضاً، وذلك أن عدم جزعهم من الموت وما يلقون بعده أمر قد نره كل يوم، وكذلك عفافهم عن الجماع وإن منهم قوماً لا رجال فقط لكن نساء أيضاً قد أقاموا أيام حياتهم ممتنعين عن الجماع، ومنهم قوم قد بلغ من ضبطهم لأنفسهم في التدبير في المطعم والمشرب، وشدة حرصهم على العدل أن صاروا غير مقصرين عن الذين يتفلسفون بالحقيقة، قال عبد اللَّه بن جبرائيل فبهذا القول قد عُلم أن النصارى لم يكونوا ظاهرين في زمن المسيح بهذه الصورة، أعني الرهبنة التي نعتها جالينوس، وإيثار الانقطاع إلى اللَّه سبحانه وتعالى، ولكن بعد المسيح بمائة سنة إنتشروا هذا الانتشار حتى زادوا على الفلاسفة في فعل الخير وآثروا العدل والتفضيل والعفاف، وفازوا بتصديق المعجز، وحصل لهم الحالان، وورثوا المنزلتين، واغتبطوا بالسعادتين أعني السعادة الشرعية العقلية، فمن هذا وشبهه يتبين تاريخ جالينوس، وهذا آخر ما ذكره عبد اللَّه بن جبرائيل من أمر جالينوس، ونقلت من خط الشيخ موفق الدين أسعد بن إلياس بن المطران قال المواضع الذي ذكر جالينوس فيه موسى والمسيح، قد ذكر موسى في المقالة الرابعة في كتابه في التشريح على رأي أبقراط إذ يقول هكذا يشبهون من تعين من المتطببين لموسى الذي سن سنناً لشعب اليهود لأن من شأنه أن يكتب كتبه من غير برهان إذ يقول اللَّه أمر واللَّه قال