قال حنين بن إسحق وكان إفلاطون المعلم الحكيم في زمن روفسطانيس الملك، وكان اسم ابنه نطافورس، وكان أرسطوطاليس غلاماً يتيماً قد سمت به همته إلي خدمة أفلاطون الحكيم، فاتخذ روفسطانس الملك بيتاً للحكمة، وفرشه لابنه نطافورس، وأمر أفلاطون بملازمته وتعليمه، وكان نطافورس غلاماً متخلفاً قليل الفهم بطيء الحفظ، وكان أرسطوطاليس غلاماً ذكياً فهماً جاداً معبراً، وكان أفلاطون يعلم نطافورس الحكمة والأداب، فكان ما يتعلمه اليوم ينساه غداً ولا يعبر حرفاً واحداً، وكان أرسطوطاليس يتلقف ما يلقى إلى نطافورس فيحفظه ويرسخ في صدره ويعي ذلك سراً عن أفلاطون ويحفظه، وأفلاطون لا يعلم بذلك من سر أرسطوطاليس وضميره، حتى إذا كان يوم العيد زين بيت الذهب وألبس نطافورس الحلى والحلل، وحضر الملك روفسطانس وأهل المملكة، وأفلاطون وتلاميذه، وانقضت الصلاة وصعد أفلاطون الحكيم ونطافورس إلي مرتبة الشرف ودراسة الحكم، على الأشهاد والملوك، فلم يؤد الغلام نطافورس شيئاً من الحكمة ولا نطق بحرف من الأداب، فأسقط في يد أفلاطون واعتذر إلى الناس بأنه لم يمتحن علمه ولا عرف مقدار فهمه، وأنه كان واثقاً بحكمته وفطنته، ثم قال يا معشر التلامذة من فيكم يضطلع بحفظ شيء من الحكمة وينوب عن نطافورس؟ فبدر أرسطوطاليس فقال أنا أيها الحكيم فازدراه ولم يأذن له في الكلام، ثم أعاد القول على تلامذته، فبدرهم أرسطوطاليس فقال أنا يا معلم الحكمة أضطلع بما ألقيت من الحكمة إلى نطافورس، فقال له ارق فرقي ارسطوطاليس الدرج بغير زينة ولا استعداد في أثوابه الدنيئة المبتذلة، فهدر كما يهدر الطير، وأتى بأنواع الحكمة والأدب الذي ألقاه أفلاطون إلى نطافورس ولم يترك منها حرفاً واحداً، فقال أفلاطون أيها الملك هذه الحكمة التي لقنتها نطافورس قد وعاها أرسطوطاليس سرقة وحفظها سراً، ما غادر منها حرفاً، فما حيلتي في الرزق والحرمان، وكان الملك في مثل ذلك اليوم يرشح ابنه للملك ويشرفه ويعلي مرتبته، فأمر الملك باصطناع أرسطوطاليس ولم يرشح ابنه للملك، وانصرف الجميع في ذلك اليوم على استحسان ما أتى به أرسطوطاليس، والتعجب من الرزق والحرمان.
مقالة أرسطوطاليس
قال حنين بن إسحاق هذا بعض ما وجدت من حكمة أرسطوطاليس في ذلك اليوم لبارئنا التقديس والإعظام والإجلال والإكرام، أيها الأشهاد، العلم موهبة الباري، والحكمة عطية من يعطي ويمنع ويحط ويرفع، والتفاضل في الدنيا والتفاخر في الحكمة التي هي روح الحياة وعمادة العقل الرباني العلوي.
أنا أرسطوطاليس بن فيلوبيس اليتيم خادم نطافورس ابن الملك العظيم، حفظت ووعيت، والتسبيح والتقديس لمعلم الصواب ومسبب الأسباب أيها الأشهاد، بالعقول تتفاضل الناس لا بالأصول وعيت عن أفلاطون الحكيم الحكمة رأس العلوم والأداب تلقيح الأفهام ونتائج الأذهان، وبالفكر الثاقب يدرك الرأي العازب، وبالتالي تسهل المطالب، وبلين الكلم تدوم المودة في الصدور، وبخفض الجناح تتم الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيش ويكمل السرور، ويحسن الصمت جلالة الهيبة، وبإصابة المنطق يعظم القدر ويرتقي الشرف، وبالإنصاف يحب التواصل، وبالتواضع تكثر المحبة، وبالعفاف تزكو الأعمال، وبالأفضال يكون السؤدد، وبالعدل يقهر العدو، وبالحكم تكثر الأنصار، وبالرفق تستخدم القلوب، وبالإيثار يستوجب اسم الجود، وبالأنعام يستحق اسم الكرم، وبالوفاء يدوم الإخاء، وبالصدق يتم الفضل وبحسن الاعتبار تضرب الأمثال، والأيام تفيد الحكم يستوجب الزيادة من عرف نقص الدنيا، ومن الساعات تتولد الآفات، وبالعافية يوجد طيب الطعام والشرب، وبحلول المكاره يتنغص العيش وتتكدر النِّعم، وبالمن يكفر بالإحسان، وبالجحد للأنعام يحب الحرمان.