FluentPlex

Lives of the Physicians

رشيد الدين أبو حليقة

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

هو الحكيم الأجل العالم رشيد الدين أبو الوحش بن الفارس أبي الخير بن أبي سليمان داود بن أبي المنى بن أبي فانة، ويعرف بأبي حليقة، كان أوحد زمانه في صناعة الطب والعلوم الحكمية، متفنناً في العلوم والآداب، حسن المعالجة، لطيف المداواة، رؤوفاً بالمرضى، محباً لفعل الخير، مواظباً للأمور الشرعية التي هو عليها، كثير العبادة، ولقد اجتمعت به مرات، ورأيت من حسن معالجته وعشرته، وكمال مروءته ما يفوق الوصف، واشتغل بصناعة الطب في أول أمره على عمه مهذب الدين أبي سعيد بدمشق، واشتغل بعد ذلك بالديار المصرية، وقرأ أيضاً على شيخنا مهذب الدين عبد الرحيم بن علي رحمه اللَّه، ولم يزل دائم الاشتغال، ملازماً للقراءة، ومولده بقلعة جعبر، وذلك في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وخرج منها إلى الرها وربي بها مدة سبع أو ثمان سنين، وكان والده يلبسه لباس الجندية مثل لباسه، وكان ساكناً بدار يقال لها دار ابن الزعفراني عند باب شاع بالرها، وكانت هذه الدار ملاصقة لدار السلطان، فاتفق أن الملك الكامل دخل فيها الحمام فأعطاه والده الفارس المذكور فاكهة وماء ورد، وأمره بحمله إلى السلطان فحمله إليه فلما خرج من الحمام وقدمه إليه أخذه ودخل به إلى الخزانة، وفرغ تلك الأطباق الفاكهة وملأها له شقاقاً سنية، وسيرها مع غلامه لوالده وأخذ الملك الكامل بيده، وكان عمره يومئذ نحو ثمان سنين، ودخل إلى الملك العادل، وعندما أبصره الملك العادل، ولم يكن رآه قبلها قط، قال للملك الكامل يا محمد هذا ابن الفارس؟ لأنه أخذه بالشبه، فقال نعم، قال هاته إلي، فحمله الملك الكامل، ووضعه بين يديه فمسك بيده وتحدث معه حديثاً طويلاً، ثم التفت إلى والده، وقد كان قائماً في خدمته مع جملة القيام وقال له ولدك هذا ولد ذكي لا تعلمه الجندية فالأجناد عندنا كثيرون، وأنتم بيت مبارك، وقد استبركنا بطبكم، وتسيره إلى الحكيم أبي سعيد إلى دمشق ليقرئه الطب، فامتثل والده الأمر وجهزه وسيره إلى دمشق، أقام فيهامدة سنة كاملة حفظ فيها كتاب الفصول لأبقراط، وتقدمة المعرفة، ثم وصل إلى القاهرة في سنة تسع وخمسمائة، ولم يزل مقيماً بها، وخدم بصناعة الطب الملك الكامل، وكان كثير الاحترام له، حظياً عنده، وله منه الإحسان الكثير، والإنعام المتصل، وله خَبَزٌ بالديار المصرية وهو الذي كان مقطعاً باسم عمه موفق الدين أبي شاكر، فإنه لما توفي أبو شاكر جعل الملك الكامل هذا الخبز باسم رشيد الدين المذكور، وهو نصف بلد يعرف بالعزيزية والخربة من أعمال الشرقية ولم يزل في دمة الملك الكامل إلى أن توفي رحمه اللَّه.

ثم خدم بعده ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، إلى أن توفي الملك الصالح رحمه اللَّه، وخدم أيضاً ولد الملك الصالح بعد ذلك، وهو الملك المعظم ترنشاه، ولما قتل رحمه اللَّه، وذلك في يوم الاثنين سابع وعشرين المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة، وجاءت دولة الترك واستولوا على البلاد واحتووا على الممالك صار في خدمتهم وأجروه على ما كان باسمه، ثم خدم منهم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الملك الصالح، وبقي في خدمته على عادته المستمرة، وقاعدته المستقرة وله منه الاحترام التام وجزيل الإنعام والإكرام، وللحكيم رشيد الدين أبي حليقة نوادر في أعمال صناعة الطب، وحكايات كثيرة تميز بها على غيره من جماعة الأطباء.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا