وحدثني بعض المصريين أن ابن جميع كان يوماً جالساً في دكانه عند سوق القناديل بفسطاط مصر وقد مرت عليه جنازة فلما نظر إليها صاح بأهل الميت، وذكر لهم أن صاحبهم لم يمت، وأنهم إن دفنوه فإنما يدفنوه حياً، قال فبقوا ناظرين إليه كالمتعجبين من قوله، ولم يصدقوه فيما قال، ثم إن بعضهم قال لبعض هذا الذي يقوله ما يضرنا، إننا نمتحنه فإن كان حقاً فهو الذي نريده، وإن لم يكن حقاً فما يتغير علينا شيء؟ فاستدعوه إليهم وقالوا بين الذي قد قلت لنا، فأمرهم بالمسير إلى البيت، وأن ينزعوا عن الميت أكفانه، وقال لهم احملوه إلى الحمام، ثم سكب عليه الماء الحار، وأحمى بدنه ونطله بنطولات، وغطسه، فرأوا فيه أدنى حس، وتحرك حركة خفيفة، فقال أبشروا بعافيته ثم تمم علاجه إلى أن أفاق وصلح، فكان ذلك مبدأ اشتهاره بجودة الصناعة والعلم، وظهرت عنه كالمعجزة، ثم إنه سئل بعد ذلك من أين علمت أن ذلك الميت، وهو محمول وعليه الأكفان أن فيه روحاً؟ فقال إني نظرت إلى قدميه فوجدتهما قائمتين، وأقدام الذين قد ماتوا منبسطة، فحدست أنه حي، وكان حدسي صائباً أقول وكان بمصر ابن المنجم المصري، وكان شاعراً مشهوراً خبيث اللسان، وله أهاجي كثيرة في ابن جميع ومن ذلك مما أنشدت له فيه
لابن جميع في طبه حمق ... يسب طب المسيح من سببه
وليس يدري ما في الزجاجة من ... بول مريض ولو تمخض به
وأعجب الأمر أخذه أبداً ... أجرة قتل المريض من عصبه
وله أيضاً فيه
دعوا ابن جميع وبهتانه ... ودعواه في الطب والهندسة
فما هو إلا رقيع أتى ... وإن حل في بلد أنحسه
وقد جعل الشرب من شأنه ... ولكن كما تشرب النرجسه
وله أيضاً فيه
كذبت وصحفت فيما ادعيت ... وقلت أبوك جميع اليهودي
وليس جميع اليهودي أباك ... ولكن أباك جميع اليهود
ونقلت من خط يوسف بن هبة اللّه بن مسلم قصيدة لنفسه، وهو يرثي بها الشيخ الموفق بن جميع وهي
أعيني بما تحوي من الدمع فاسجعي وإن نفذت منك الدموع فبالدم
فحق بأن تذرفي على فقد سيد فقدنا به فضل العلا والتكرم
وأفضل أهل العصر علماً وسؤدداً وأفضلهم في مشكل القول مبهم
وأهداهم بالرأي والأمر مبهم وأعلمهم بالغيب علم تفهم
وأرحبهم صدراً وكفاً ومنزلاً ووجهاً كمثل الصبح عند التبسم
وأنجد من يممته لملمة وأنجد من أملته لتألم
ولو كان يفدى من حمام فديته بنفس متى تقدم على الموت تقرم
وبطش أسود كالأساود ترتمي بهزة هندي وعزة لهذم
ولكن قضاء اللّه في الخلق نافذ فلا دافع للآمر المتحكم
وما رد بقراطاً عن الموت طبه وقد كان من أعيانه في التقدم
ولا حاد جالينوس عن حتف يومه فسلم ما أعياه للمتسلم
لا كسر كسرى ثم تابع تبعاً وعاد بعاد ثم جر بجرهم
فقل معلناً للشامتين بيومه ذروا الجهل إن الجهل منكم بمأتم
تمر سفيهات الرياح عواصفاً فهل زعزعت ضعفاً نبات يلملم
وما سرح السرح الضعيف حراكه بأرض فكان الليث فيها بمجثم
ألم يك ذا ورد النفوس بأسرها فكل أخير تابع المتقدم
فلا فرح إلا ويعقبه الأسى ولا غاية البنيان غير التهدم
فقبحاً لدهر ردنا بعد فقده حيارى بلا هاد حليف التيتم
أما عجب إذ غاله الحتف رامياً وقد كان أرمى للخطوب بأسهم
وأهدى إلى الداء الخفي بعلمه إذا جال بين اللحم والعظم والدم
وأرفع بيتاً في القبيل مكارما كما لاح بدر التم ما بين أنجم
فيا أيها المولى الموفق أينما رأيناه من در الكلام المنظم
وما غال ذاك النطق أفصح مقول ينير دجى ليل من الشك مظلم
وما أخمد الحس الذكي توقداً وقد كان يهدي كل سار ميمم
لعمرك ما قلب الشجي كغيره ولا محرق الأحشاء كالمتجشم
ولا كل من أجرى المدامع ثاكل وأين جميل في الأسى من متمم
فلا تعذلوني إن بكيت تأسفاًَ فقدر عظيم الحزن قدر المعظّم
وواللّه ما وفيت واجب حقه ولو أن جسمي كل عين بمرزم
وإني لأفني مدة العمر والهاً تصرم أيامي ولم يتصرم
فويح المنايا ما درت كنه حادث رمت سيداً يحيا به كل منعم