أقول ونقلت من خط ابن الهيثم في مقالة له فيما صنعه وصنفه من علوم الأوائل إلى آخر سنة سبع عشرة وأربعمائة لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، الواقع في شهور سنة ثلاث وستين الهلالية من عمره ما هذا نصه، قال إني لم أزل منذ عهد الصبا مرتاباً في اعتقادات هذه الناس المختلفة وتمسك كل فرقة منهم بما تعتقده من الرأي، فكنت متشككاً في جميعه، موقناً بأن الحق واحد، وأن الاختلاف فيه إنما هو من جهة السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية، انقطعت إلى طلب معدن الحق، وجهت رغبتي وحدسي إلى إدراك ما به تنكشف تمويهات الظنون، وتنقشع غيابات المتشكك المفتون، وبعثت عزيمتي إلى تحصيل الرأي المقرب إلى اللَّه جل ثناؤه، المؤدي إلى رضاه الهادي لطاعته وتقواه، فكنت كما قال جالينوس في المقالة السابعة من كتابه في حيلة البرء يخاطب تلميذه لست أعلم كيف تهيأ لي، منذ صباي، إن شئت قلت باتفاق عجيب، وإن شئت قلت بإلهام من اللَّه، وإن شئت قلت بالجنون، أو كيف شئت أن تنسب ذلك، أني ازدريت عوام الناس واستخففت بهم، ولم التفت إليهم، واشتهيت إيثار الحق وطلب العلم، واستقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا أشياء أجود ولا أشد قربة إلى اللَّه من هذين الأمرين، قال محمد ابن الحسن فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات، وأنواع علوم الديانات، فلم أحظ من شيء منها بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجاً، ولا إلي الرأي اليقيني مسلكاً مجدداً، فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية، وصورتها الأمور العقلية، فلم أجد ذلك إلا فيما قرره أرسطوطاليس من علوم المنطق والطبيعيات والإلهيات، التي هي ذات الفلسفة وطبيعتها، حين بدأ بتقرير الأمور الكلية والجزئية والعامية والخاصية، ثم تلاه بتقرير الألفاظ المنطقية وتقسيمها إلى أناسها الزوائل، ثم أتبعه بذكر المعاني التي تتركب مع الألفاظ فيكون منها الكلام المفهوم المعلوم، ثم أفرد من ذلك الأخبار التي هي عنصر القياس ومادته فقسمها إلى أقسامها، وذكر فصولها وخواصها التي تميزها بعضها من بعض، ويلزم منه صدقها وكذبها، ويعرض معه اتفاقها واختلافها وتضادها وتناقضها، ثم ذكر بعد ذلك القياس فقسم مقدماته، وشكل أشكاله، ونوع تلك الأشكال، وميز من الأنواع ما لا يلزم دائماً نظاماً واحداً، وأفردها مما يلزم أبداً نظاماً واحداً، ثم ذكر النتائج التي تلزم منها مع اقترانات عناصر الأمور التي هي الواجب والممكن والممتنع، وبيّن وجوه اكتساب مقدمات القياس الضرورية والاقناعية وما هو من جهة الأولى والأشبه والأكثر، وما يلزم من جهة العادات والاصطلاحات وسائر الأمور القياسية، وذكر صور القياس، وفصل فصوله، ونوع أنواعه، ثم ختم ذلك بذكر طبيعة البرهان وشرح مواده، وأوضح صوره، وبين الشبه المغلطة فيه، وكشف عن مستوره وخافيه، ثم تلا ذلك بالكلام في الصناعات الأربع الجدلية والمراثية والخطبية والشعرية فأوضح من ذلك ما يكون سبباً مميزاً لصناعة البرهان من هذه الصناعات الأربع، وفصلاً فاصلاً لها من جنسها؛ ثم أخذ بعد ذلك في شرح الأمور الطبيعية، فبدأ في ذلك بكتابه في السماع الطبيعي فقرر فيه الأمور المعلومة بالطبع التي لا تحتاج إلى برهان، إنما يؤخذ من الاستقرار والقسمة والتحليل، وبرهن على بطلان الاعتراضات فيها، وكشف عن أغلاط من شك في شيء منها، وكان مجمل كلامه في ذلك على ستة أمور المبادئ الكونية والطبيعية، والمكان، والخلاء، وما لا نهاية له، والزمان، والحركة، والمحرك الأول، ثم أتبع ذلك بكتابه في الكون والفساد، فأوضح فيه قبول العالم الأرضي الكون والفساد، ثم تلاه بكتابه في الآثار والعلوية وهي التي تعرض في الجو كالسحاب، والضباب، والرياح، والأمطار، والرعد، والبرق، الصواعق، وسائر ما يكون من أنواع ذلك، وذكر في آخره أمور المعدنيات وأسباب كونها، ثم أتبعه بكتابه في النبات والحيوان فذكر ضروب النبات والحيوان وطبائعهما، وفصولهما، وأنواعهما وخواصهما، وأعراضهما، ثم أتبع ذلك بكتابه في السماء والعالم فأبان عن طبيعة العالم وذاتيته، واتصال القوة الإلهية به.
Lives of the Physicians
بن الهيثمÖzgün metin Public domain
Anlamını görmek için bu sayfadaki herhangi bir kelimenin üzerine gelin
Ücretsiz bir hesapla kütüphanedeki herhangi bir kelimenin üzerine gelerek anlamını görün, sesli okunuşunu dinleyin, kelimeleri hafızanıza göre zamanlanan tekrarlar için kaydedin ve her kitabın ne kadarını zaten bildiğinizi görün.