وفي التاريخ أن سعيد بن توفيل كان له في أول ما صحب أحمد شاكري قبيح الصورة، كان ينفض الكتان مع أب له واسمه هاشم، وكان يخدم بغلة سعيد ويمسكها له إذا دخل دار أحمد بن طولون، وكان سعيد يستعمله في بعض الأوقات في سحق الأدوية بداره إذا رجع معه، وينفخ النار على المطبوخات، وكان لسعيد بن توفيل ابن حسن الصورة، ذكي الروح، حسن المعرفة بالطب فتقدم أحمد بن طولون إلى سعيد أول ما صحبه أن يرتاد متطبباً يكون لحرمه، ويكون مقيماً بالحضرة في غيبته، فقال له سعيد لي ولد قد علمته وخرجته، قال أرنيه فأحضره، فرأى شاباً رائقاً، حسن الأسباب كلها، فقال له أحمد بن طولون ليس يصلح هذا لخدمة الحرم، أحتاج لهن حسن المعرفة قبيح الصورة، فأشفق سعيد أن ينصّب لهم غريباً فينبو عنه، ويخالف عليه، فأخذ هاشماً وألبسه دراعة وخفين ونصبه للحرم، فذكر جريج بن الطباخ المتطبب قال لقيت سعيد بن توفيل ومعه عمر بن صخر، فقال له عمر ما الذي نصبت هاشماً له؟ قال خدمة الحرم لأن الأمير طلب قبيح الخلقة، فقال له عمر قد كان في أبناء الأطباء قبيح قد حسنت تربيته، وطاب مغرسه يصلح لهذا،ولكنك استرخصت الصنعة، واللَّه يا أبا عثمان إن قويت يده ليرجعن إلى دناءة منصبه، وخساسة محتده، فتضاحك سعيد بغرته من هذا الكلام، وتمكن هاشم من الحرم بإصلاحه لهم ما يوافقهم من عمل أدوية الشحم والحبل، وما يحسن اللون ويغزر الشعر، حتى قدمه النساء على سعيد فلما جمع الأطباء على الغدو إلى أحمد بن طولون في كل يوم عند اشتداد علته قالت مائة ألف أم أبي العشائر قد أحضر جماعة من الأطباء، ولم يحضر هاشم، واللَّه يا سيدي ما فيهم مثله، فقال لها أحضرينيه سراً حتى أشافهه وأسمع كلامه، فأدخلته إليه سراً وشجعته على كلامه، فلما مثل بين يديه نظر وجهه وقال أُغْفِل الأمير حتى بلغ إلى هذه الحالة، لا أسن اللَّه جزاء من كان يتولى أمره، قال له أحمد ابن طولون فما الصواب يا مبارك؟ قال تتناول قميحة فيها كذا وكذا، وعدد قريباً من مائة عقار، وهذه القمائح تمسك وقت أخذها وتعود بضرر بعد ذلك لأنها تتعب القوى، فتناولها أحمد، وأمسك عن تناول ما عمله سعيد والأطباء، ولما أمسكت حسن موقع ذلك عند أحمد وظن أن البرء قد تم له، ثم قال أحمد لهاشم إن سعيداً قد حماني من شهر عن لقمة عصيدة وأنا أشتهيها قال يا سيدي، أخطأ سعيد وهي مغذية ولها أثر حميد فيك، فتقدم أحمد بن طولون بإصلاحها فجيء منها بجام واسع فأكل أكثره وطاب نفساً ببلوغ شهوته ونام ولحجت العصيدة فتوهم أن حاله زادت صلاحاً، وكل هذا يطوى عن سعيد بن توفيل، ولما حضر سعيد قال له ما تقول في العصيدة؟ قال هي ثقيلة على الأعضاء وتحتاج أعضاء الأمير إلى تخفيف عنها، قال له أحمد دعني من هذه المخرقة قد أكلتها ونفعتني والحمد للّه، وجيء بفاكهة من الشام فسأل أحمد بن طولون سعيد بن توفيل عن السفرجل فقال له تمص منه على خلو المعدة والأحشاء فإنه نافع، فلما خرج سعيد من عنده أكل أحمد بن طولون سفرجلاً فوجد السفرجل العصيدة فعصرها فتدافع الإسهال، فدعا سعيداً فقال يا ابن الفاعلة ذكرت أن السفرجل نافع لي وقد عاد إلي الإسهال، فقام فنظر المادة ورجع إليه فقال هذه العصيدة التي حمدتها وذكرت أني غلطت في منعها فإنها لم تزل مقيمة في الأحشاء لا تطيق تغييرها ولا هضمها لضعف قواها، حتى عصرها السفرجل، ولم أكن أطلقت لك أكله، وإنما أشرت بمصه،، ثم سأله عن المقدار ما أكل منه فقال سفرجلتين، فقال سعيد أكلت السفرجل للشبع ولم تأكله للعلاج، فقال يا ابن الفاعلة جلست تنادرني وأنت صحيح سوي، وأنا عليل مدنف، ثم دعا بالسياط فضربه مائتي سوط وطاف به على جمل، ونودي عليه هذا جزاء من ائتمن فخان، ونهب الأولياء منزله ومات بعد يومين، وذلك في سنة تسع وستين ومائتين بمصر، وقيل في سنة تسع وسبعين ومائتين، وهي السنة التي مات ابن طولون في ذي قعدتها، واللّه أعلم.
خلف الطولوني