كالروض حفت به الأزاهر يقطف باللحظ أم قطف
كالبدر في ليلة السعود أشرق لألاؤه ولاح
كالغصن اللدن في التثني تهز أعطافه الرياح
من لي بمخضوبة البنان ممشوقة القد والدلال
من هجرها مشية الزمان ماض ومستقبل وحال
فيها رثى عاذلي لشاني ثم انثنى ضاحكاً وقال
عاشق ومسكين اللّه يريد وارض لمن يعشق الملاح
فدع يهجر أو يصلني ليس على ساحر اقتراح
أبو محمد بن الحفيد أبي بكر بن زهر هو أبو عبد اللّه بن الحفيد أبي بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر، كان جيد الفطرة، حسن الرأي، جميل الصورة، مفرط الذكاء، محمود الطريقة، محباً للبس الفاخر، وكان كثير الاعتناء بصناعة الطب والنظر فيها، والتحقيق لمعانيها واشتغل على والده ووقفه على كثير من أسرار علم هذه الصناعة وعملها، وقرأ كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري على أبيه واتقن معرفته، وكان الخليفة أبو عبد اللَّه محمد الناصر بن المنصور أبي يعقوب يرى له كثيراً ويحترمه، ويعرف مقدار علمه وبيتوتته.
حدثني القاضي أبو مروان الباجي قال لما توجه أبو محمد عبد اللَّه بن الحفيد إلى الحضرة خرج منه فيما اشتراه لسفره ونفقته في الطريق نحو عشرة آلاف دينار، قال ولما اجتمع بالخليفة الناص بالمهدية لما فتحها الناصر خدمه على ما جرت به العادة وقال له إنني يا أمير المؤمنين بحمد اللَّه بكل خير من إنعامكم وإحسانكم علي وعلى آبائي، وقد وصل إليّ مما كان بيد أبي من إحسانكم ما يغنيني مدة حياتي وأكثر، وإنما أتيت لأكون في الخدمة كما كان أبي، وأن أجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه بين يدي أمير المؤمنين، فأكرمه الناصر إكراماً كثيراً، وأطلق إليه من الأموال والنعم ما يفوق الوصف، وإن مجلسه إذا حضر قريباً منه في الموضع الذي كان يجلس فيه والده الحفيد، فكان يجلس إلى جانب الخليفة الناصر الخطيب أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن أبي يوسف حجاج القاضي، وكان يجلس تلوه القاضي الشريف أبو عبد اللَّه الحسيني، وكان يجلس تلوه أبو محمد عبد اللَّه بن الحفيد أبو بكر بن زهر، وكان يجلس إلى جانبه أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي صاحب المقدمة المشهورة في النحو المعروفة بالجزولية، وكان هذا في النحو يشتغل عليه أبو محمد عبد اللَّه بن الحفيد، ويجلس بين يديه ويتعلم منه.
وكان مولد أبي محمد عبد اللَّه بن الحفيد أبي بكر في سنة سبع وسبعين وخمسمائة بمدينة إشبيلية، وتوفي رحمه اللَّه مسموماً في سنة اثنتين وستمائة في مدينة سلا في الجهة المسماة برباط الفتح ودفن بها، وكان متوجهاً إلى مراكش فاخترمه الأجل دونها، ثم حمل من الموضع الذي دفن فيه إلى إشبيلية، ودفن عند آبائه بإشبيلية خارج باب الفتح فكانت مدة حياته خمساً وعشرين سنة.
ومن أعجب ما حدثني القاضي أبو مروان الباجي عنه قال كنت يوماً عنده وإذا به قد قال لي إنني رأيت البارحة في النوم أختي، وكانت أخته قد ماتت قبله قال وكأني قلت لها يا أختي باللَّه عرفيني كم يكون عمري؟ فقالت لي طابيتين ونصفاً والطابية هي خشبة للبناء معروفة في المغرب بهذا الاسم طولها عشرة أشبار فقلت لها أنا أقول لك جد وأنت تجيبين بالهزء؟ فقالت لا واللَّه ما قلت لك إلا جداً، وإنما أنت ما فهمت، أليس الطابية عشرة أشبار والطابيتين ونصفاً خمسة وعشرون يكون عمرك خمساً وعشرين سنة، قال القاضي أبو مروان فلما قص علي هذه الرؤيا قلت له لا تتوهم من هذا فلعله من أضغاث الأحلام، قال ولم تكمل تلك السنة إلا وقد مات فكان عمره كما قيل له خمساً وعشرين سنة لا أزيد ولا أنقص، وخلف ولدين كل منهما فاضل في نفسه كريم في جنسه، أحدهما يسمى أبا مروان عبد الملك، والآخر أبا العلاء محمد، والأصغر منهما وهو أبو العلاء معتن بصناعة الطب، وله نظر جيد في كتب جالينوس، وكان مقامهما في إشبيلية.
أبو جعفر بن هارون الترجالي