ونقلت من خط بلمظفر بن معرف أن الرازي توفي في سنة عشرين وثلثمائة، وقال عبيد اللّه بن جبرئيل كان أبو بكر محمد بن زكريا الرازي له المنزلة الجليلة بالري وسائر بلاد الجبل، قال وعاش إلى أن لحقه ابن العميد أستاذ الصاحب بن عباد، وهو كان سبب إظهار كتابه المعروف بالحاوي، لأنه كان حصل بالري بعد وفاته فطلبه من أخت أبي بكر، وبذل لها دنانير كثيرة حتى أظهرت له مسودات الكتاب، فجمع تلاميذه الأطباء الذين كانوا بالري حتى رتبوا الكتاب، وخرج على ما هو عليه من الاضطراب.
ومن كلام أبي بكر محمد بن زكريا الرازي قال الحقيقة في الطب غاية لا تدرك، والعلاج بما تنصه الكتب دون إعمال الماهر الحكيم برأيه خطر.
وقال الاستكثار من قراءة كتب الحكماء، والإشراف على أسرارهم، نافع لكل حكيم عظيم الخطر.
وقال العمر يقصر عن الوقوف عى فعل كل نبات في الأرض، فعليك بالأشهر، مما أجمع عليه، ودع الشاذ؛ واقتصر على ما جربت.
وقال من لم يعن بالأمور الطبيعية، والعلوم الفلسفية، والقوانين المنطقية، وعدل إلى اللذات الدنيائية، فاتهمه في علمه؛ لا سيما في صناعة الطب.
وقال متى اجتمع جالينوس وأرسطوطاليس على معنى فذلك هو الصواب؛ ومتى اختلفا صعب على العقول إدراك صوابه جداً.
وقال الأمراض الحارة أقتل من الباردة لسرعة حركة النار، وقال الناقهون من المرض إذا اشتهوا من الطعام ما يضرهم فيجب للطبيب أن يحتال في تدبير ذلك الطعام وصرفه إلى كيفية موافقة، ولا يمنعهم ما يشتهون بتة.
وقال ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبداً الصحة ويرجيه بها، وإن كان غير واثق بذلك فمزاج الجسم تابع لأخلاق النَّفْس.
وقال الأطباء الأميون والمقلدون، والأحداث الذين لا تجربة لهم، ومن قلت عنايته وكثرت شهواته، قتالون.
وقال ينبغي للطبيب أن لا يدع مساءلة المريض عن كل ما يمكن أن تتولد عنه علته من داخل ومن خارج، ثم يقضي بالأقوى.
وقال ينبغي للمريض أن يقتصر على واحد ممن يوثق به من الأطباء، فخطؤه في جنب صوابه يسير جداً.
وقال من تطبب عند كثيرين من الأطباء يوشك أن يقع في خطأ كل واحد منهم.
وقال متى كان اقتصار الطبيب على التجارب دون القياس وقراءة الكتب خذل.
وقال لا ينبغي أن يوثق بالحسن العناية في الطب حتى يبلغ الأشد ويجرب.
وقال ينبغي أن تكون حالة الطبيب معتدلة، لا مقبلاً على الدنيا كلية ولا معرضاً عن الآخرة كلية فيكون بين الرغبة والرهبة.
وقال بانتقال الكواكب الثابتة في الطول والعرض تنتقل الأخلاق والمزاجات، وقال باختلاف عروض البلدان تختلف المزاجات والأخلاق والعادات وطباع الأدوية والأغذية، حتى يكون ما في الدرجة الثانية من الأدوية في الرابعة، وما في الرابعة في الثانية، وقال إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة.
وقال ما اجتمع الأطباء عليه، وشهد عليه القياس، وعضدته التجربة، فليكن أمامك، وبالضد، ومن شعر أبي بكر محمد بن زكريا الرازي قال
لعمري، ما أدري، وقد آذن البلى ... بأجل ترحال؛ إلى أين ترحالي؟
وأين محل الروح بعد خروجه ... من الهيكل المنحل والجسد البالي