FluentPlex

Lives of the Physicians

أبو بكر محمد بن زكريا الرازي

Original text Public domain

Read with the dictionary

فلما كان بعد أيام حمل إلى الداية مضيرة لتأكل، فتركتها بحيث يقع عليها نظر ولدي، ومضت في شغل لها، فذكرت أنها لما عادت وجدت ابني قد أكل أكثر مما كان في الغضارة، وبقي في الغضارة شيء يسير مغير اللون، قالت العجوز فقلت له ما هذا؟ فقال لا تقربي الغضارة، وجذبها إليه، وقال رأيت أفعى عظيماً وقد خرج من موضع ودب إليها فأكل منها، ثم قذف فصار لونها كما ترين، فقلت أنا ميت ولا أود أن يلحقني ألم شديد، ومتى أظفر بمثل هذا، وأكلت من الغضارة ما استطعت لأموت عاجلاً وأستريح، فلما لم أستطع زيادة أكل رجعت إلى موضعي وجئت أنت، قالت ورأيت المضيرة على يده وفمه فصحت، فقال لا تعملي شيئاً أو تدفني الغضارة بما فيها لئلا يأكلها إنسان فيموت، أو حيوان فيلسع إنساناً فيقتله، ففعلت ما قال، وخرجت إلي، فلما عرفتني ذلك ذهب علي أمري ودخلت إلى ابني فوجدته نائماً، فقلت لا توقظوه حتى ننظر ما يكون من أمره، فانتبه آخر النهار وقد عرق عرقاً شديداً وهو يطلب المستحم، فأنهض إليه فاندفع بطنه، وقام من ليلته ومن غد أكثر من مائة مجلس، فازداد يأسنا منه، وقل الطعام بعد أن استمر أياماً، وطلب فراريج فأكل، ولم تزل قوته تثوب إليه، وقد كان بطنه التصق بظهره، وقوي طمعنا في عافيته فمنعناه من التخليط، فتزايدت قوته إلى أن صار كما ترى، فعجبت من ذلك وذكرت أن الأوائل قالت إن المستسقي إذا أكل من لحم حية عتيقة مزمنة لها مئون سنين برأ، ولو قلت لك إن هذا علاجه لظننت أني أدافعك ومن أين نعلم كم سنوحيه إذا وجدناها فسكت عنك.أقول وللرازي أمثال هذا من الحكايات أشياء كثيرة جداً مما جرى له وقد ذكرت من ذلك جملة وافرة في كتاب حكايات الأطباء في علاجات الأدواء، وكان أكثر مقام الرازي ببلاد العجم، وذلك لكونها موطنه وموطن أهله وأخيه، وخدم بصناعة الطب الأكابر من ملوك العجم وصنف هنالك كتباً كثيرة في الطب وغيره، وصنف كتابه المنصوري للمنصور بن إسماعيل بن خاقان صاحب خراسان وما وراء النهر، وكذلك صنف كتابه الذي سماه الملوكي لعلي ابن صاحب طبرستان، وكان الرازي أيضاً مشتغلاً بالعلوم الحكمية فائقاً فيها، وله في ذلك تصانف كثيرة يستدل بها على جودة معرفته وارتفاع منزلته، وكان في أول أمره قد عني بعلم السمياء والكمياء وما يتعلق بهذا الفن، وله تصانيف أيضاً في ذلك، ونقلت من خط بلمظفر بن معرف قال كان الرازي يقول أنا لا أسمي فيلسوفاً إلا من كان قد علم صنعة الكمياء، لأنه قد استغنى عن التكسب من أوساخ الناس، وتنزه عما في أيديهم ولم يحتج إليهم.

وحدثني بعض الأطباء أن الرازي كان قد باع لقوم من الروم سبائك ذهب وساروا بها إلى بلادهم، ثم إنهم بعد ذلك بسنين عدة وجدوها وقد تغير لونها بعض التغير، وتبين لهم زيفها فجاؤوا بها إليه؛ وألزم بردها، وقال غيره إن الوزير كان أضافه الرازي فأكل عنده أطعمة لذيذة لا يمكن أن يأكل بأطيب منها، ثم إن الوزير تحيل بعد ذلك حتى اشترى إحدى الجواري التي تطبخ الأطعمة عند الرازي ظناً منه أن تطبخ مثل ذلك الطعام، فلما صنعت له أطعمة لم يجدها كما وجدها عند الرازي، فلما سألها عن ذلك، ذكرت له أن الطبيخ واحد، بل إننا كنا نجد القدور التي عند الرازي جميعاً ذهباً وفضة، فسبق إلى وهمه حينئذ أن جودة الأطعمة إنما هي من ذلك، وأن الرازي قد حصلت له معرفة الكيمياء، فاستحضر الوزير الرازي وسأله أن يعرفه ما قد حصل له من معرفة الكيمياء، فلما لم يذكر له الرازي شيئاً من ذلك، وأنكر معرفته خنقه سراً بوتر،وقيل إن الرازي كان في أول أمره صيرفياً، ومما يحقق ذلك أنني وجدت نسخة من المنصوري قديمة قد سقط آخرها، واحترق أكثرها من عتقها، وهي مترجمة بذلك الخط على هذا المثال كناش المنصوري، تأليف محمد بن زكريا الرازي الصيرفي، وأخبرني من هي عنده أنها خط الرازي، وكان الرازي معاصراً لإسحاق بن حنين ومن كان معه في ذلك الوقت، وعمي في آخر عمره بماء نزل في عينيه فقيل له لو قدحت؟ فقال لا قد نظرت من الدنيا حتى مللت، فلم يسمح بعينيه للقدح، وقال أبو الخير الحسن بن سوار بن بابا، وكان قريب العهد منه إن الرازي توفي في سنة نيف وتسعين ومائتين أو ثلثمائة وكسر، قال والشك مني.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account