بغدادي المولد والمنشأ، وكان يعاني صناعة الطب ويباشر أعمالها، ويعد من جملة الموصوفين بها، وكان أيضاً يكحل إلا أن الشعر كان أغلب عليه وكان كثير النوادر خبيث اللسان، وله ديوان شعر، وكان بينه وبين الأمير أبي الفوارس سعد بن محمد بن الصيفي الشاعر المسمى حيص بيص شنآن وتهاتر وكانا قد يصطلحان وقتاً ثم يعودان إلى ما كانا فيه، وسبب تسمية الحيص بيص بهذا أنه كان العسكر ببغداد قد همّ بالخروج إلى السلطان السلجوقي، وذلك في أيام المقتفي لأمر اللّه، فكان الناس من ذلك في حديث كثير، وحركة زائدة، فقال ما لي أرى الناس في حيص بيص؟ فلقب بذلك، وكان الذي ألصق به هذا النعت أبو القاسم هبة اللّه بن الفضل، وكان الحيص بيص يقصد في كلامه أبداً، وفي رسائله الفصاحة البليغة، والألفاظ الغريبة من اللغة،ومن ذلك حدثني بعض العراقيين أن الحيص بيص كان قد نقه من مرض عاده فيه أبو القاسم بن الفضل، فوصف له أكل الدراج، فمضى غلامه واشترى دراجاً واجتاز على باب أمير وبه غلمان ترك أصاغر يلعبون، فخطف أحدهم الدراج من الغلام ومضى، فأتى الغلام إليه فأخبره الخبر فقال له ائتني بدواة وبيضاء، فأتاه بهما فكتب لو كان مبتر دراجه فتخاء كاسر وقف بها السغب بين التدوين والتمطر فهي تعقي وتسف، وكان بحيث تنقب أخفاف الإبل، لوجب الأغذاذ إلى نصرته، فكيف وهو ببحبوحة كرمك والسلام، ثم قال لغلامه امض بها وأحسن السفارة في وصلتها إلى الأمير فمضى ودفعها لحاجبه فدعا الأمير بكاتبه وناوله الرقعة فقرأّها، ثم فكر ليعبر له عن المعنى فقال له الأمير ما هو؟ فقال مضمون الكلام إن غلاماً من غلمان الأمير أخذ دراجاً من غلامه، فقال اشتر له قفصاً مملوءاً دراجاً فاحمله إليه، ففعل،وحدثني شيخنا الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي رحمه اللّه أن الحيص بيص الشاعر ببغداد كان قد كتب إلى أمين الدولة بن التلميذ ورقة يقصد فيها أن ينفذ إليه شياف أبار وهي أزكنك أيها الطب اللب الآسي النطاسي النفيس النقريس، أرجنت عندك أم خنور وسكعت عنك أم هوير، إني مستأخذ أشعر في حنادري رطساً ليس كاسب شبوة ولا كنخر المنصحة، ولا كنكز الحضب، بل كسفع الزخيخ فأنا من التباشير إلى الغباشير لا أعرف ابن سمير من ابن جمير، ولا أحْسِنُ صفوان من همام، بل آونة أرجحن شاصيا، وفينة أحبنطي مقلوليا، وتارة أعرنزم وطوراً واسلنقي، كل فعل مع أح وأخ وحس وتهم قرونتي أن أرفع عقيرتي بيعاط عاط إلى هياط ومياط وهالي أول وأهون وجبار ودبار ومؤنس وعروبة وشيار، ولا أحيص ولا أكيص ولا أغرندي ولا أسرندي لوقته فتبادرني بشياف الآبار النافع لعلتي الناقع لغلتي، قال فلما قرأ أمين الدولة الورقة، نهض لوقته وأخذ حفنة شياف آبار، وقال لبعض أصحابه أوصله إياها عاجلاً ولا نتكلف قراءة ورقة ثانية،وكتب الحيص بيص إلى المقتفي لأمر اللّه سبع رقاع عند طلبه بعقوباً منه الأولى أنها لطايا ولاء حملت سفر ثناء، غرد بها حادي رجاء، والمنزل الفناء.
الثانية أجري جياد حمد في ساحات مجد، إجراء ممطر نهد من غير باعثة وجهد، منتجعاً غب الغاية كرماء.
الثالثة جد يا أمير المؤمنين بوفر دثر، لا بكي، ولا نزر، لمفصح شعر، يمم لجة بحر يرتاد عتاد دهر، فالقافية سحر، والسامع حبر، والعطاء غمر.
الرابعة إن الموصل واليغاران هما إقطاع ملكين سلجووقيين، وكانتا جائزتين لشاعرين طائيين من إمامين مرضيين، أحدهما معتصم باللّه، والآخر متوكل على اللّه، والبناء الأشرف أعظم، وعطاؤه أرزم فعلام الحرمان؟ الخامسة خامسة من الخدم، في انتجاع شابيب الكرم، من القدس الأعظم، حلوان قافية، تجري كناجية، بمخترق بادية، تهدي سفراً، وتسهل وعراً، والرأي بنجح آمالها أحرى.
السادسة إن وراء الحجاب المسدل لا يهم طود، وخضم يم مخرس خطب، وقاتل جدب، جل فبهر، وعز فقهر، ونال فغمر، صلوات اللّه عليه ما هبت الريح، ونبت الشيح.
السابعة، يا أمير المؤمنين، مائة بيت شعر أو سبع رقاع نثر، أتذاد عن النجح ذياد الحائمات؟ كلا أن الأعراق لبوية، والمكارم عباسية، والفطنة لوذعية، وكفى بالمجد محاسباً ماذا أقول إذا الرواة ترنموا بفصيح شعري في الإمام العادل واستحسن الفصحاء شأن قصيدة، لأجل ممدوح، وأفصح قائل
وترنحت أعطافهم فكأنما ... في كل قافية سلافة بابل