وقال آخر الإنسان وتركيبه، ولم يزل كل واحد منهم يقول شيئاً وهو يقول لا، فقال للصبي ما أعجب ما في الدنيا؟ فقال أيها الحكيم، إذا كان كل ما في الدنيا عجباً فلا عجب، فقال الحكيم لأجل هذا قدمته، لفطنته، ومن كلامه قال محاربة الشهوة أيسر من معالجة العلة، وقال التخلص من الأمراض الصعبة صناعة كبيرة، ودخل على عليل فقال أنا والعلة وأنت ثلاثة فإن أعنتني عليها بالقبول مني لما تسمع صرنا اثنين، وانفردت العلة فقوينا عليها؛ والإثنان إذا اجتمعا على واحد غلباه، ولما حضرته الوفاة قال خذوا جامع العلم مني من كثر نومه ولانت طبيعته، ونديت جلدته طال عمره، ومن كلامه، مما ذكره حنين بن اسحق في كتاب نوادر الفلاسفة، أنه قال منزلة لطافة القلب في الأبدان، كمنزلة النواظر في الأجفان، وقال للقلب آفتان وهما الغم والهم، فالغم يعرض منه النوم، والهم يعرض منه السهر، وذلك بأن الهم فيه فكر في الخوف بما سيكون، فمنه يكون السهر، والغم لا فكر فيه، لأنه إنما يكون بما قد مضى وانقضى، وقال القلب من دم جامد، والغم يهيج الحرارة الغريزية، فتلك الحرارة تذيب جامد الدم، ولذلك كره الغم خوف العوارض المكروهة التي تهيج الحرارة، وتحمي المزاج، فيحل جامد الدم، فينتقض التركيب، وقال من صحب السلطان فلا يجزع من قوته، كما لا يجزع الغواص من ملوحة البحر، وقال من أحب لنفسه الحياة أماتها، وقال العلم كثير والعمر قصير، فخذ من العلم ما يبلغك قليله إلى كثير، وقال إن المحبة قد تقع بين العاقلين من باب تشاكلهما في العقل، ولا تقع بين الأحمقين من باب تشاكلهما في الحمق، لأن العقل يجري على ترتيب فيجوز أن يتفق فيه اثنان على طريق واحد؛ والحمق لا يجري على ترتيب فلا يجوز أن يقع به اتفاق بين اثنين، ومن كلامه في العشق قال العشق طمع يتولد في القلب وتجتمع فيه مواد من الحرص، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدة القلق وكثرة السهر، وعند ذلك يكون احتراق الدم، واستحالته إلى السواء، والتهاب الصفراء وانقلابها إلى السوداء؛ ومن طغيان السوداء فساد الفكر؛ ومع فساد يكون الفدامة ونقصان العقل، ورجاء ما لم يكن، وتمني ما لم يتم حتى يؤدي ذلك إلى الجنون، فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه، وربما مات غماً، وربما وصل إلى معشوقه فيموت فرحاً أو أسفاً، وربما شهق شهقة فتختفي منها روحه أربعاً وعشرين ساعة، فيظن أنه قد مات فيقبر وهو حي، وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه، ويضم عليها القلب فلا تنفرج حتى يموت، وربما ارتاح وتشوق للنظر، ورأى من يحب فجأة فتخرج نفسه فجأة دفعة واحدة، وأنت ترى العاشق إذا سمع بذكر من يحب كيف يهرب دمه ويستحيل لونه، وزوال ذلك عمن هذه حاله بلطف من رب العالمين، لا بتدبير من الآدميين، وذلك أن المكروه العارض من سبب قائم منفرد بنفسه يتهيأ التلطف بإزالته بإزالة سببه، فإذا وقع السببان وكل واحد منهما علة لصاحبه، لم يكن إلى زوال واحد منهما سبيل، وإذا كانت السوداء سبباً لاتصال الفكر، وكان اتصال الفكر سبباً لاحتراق الدم والصفراء وميلهما إلى السوداء، والسوداء كلما قويت قوت الفكر، والفكر كلما قوي قوى السوداء، فهذا الداء العياء الذي يعجز عن معالجته الأطباء، ومن كلامه قال الجسد يعالج جملة من خمسة أضرب ما في الرأس بالغرغرة؛ وما في المعدة بالقيء؛ وما في البدن بإسهال البطن؛ وما بين الجلدين بالعرق؛ وما في العمق وداخل العروق بإرسال الدم، وقال الصفراء بيتها المرارة وسلطانها في الكبد والبلغم بيته المعدة وسلطانه في الصدر، والسوداء بيتها الطحال وسلطانها في القلب، والدم بيته القلب وسلطانه في الرأس
Lives of the Physicians
قسم أبقراطنص أصلي Public domain
مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها
مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.